مقدمة
اللف والنشر1يعرف كذلك بالطيّ والنشر، وذلك عند ابن حجّة الحموي، خزانة الأدب وغاية الأرب، ج1، ص149–155. وانظر أيضًا: مطلوب، معجم المصطلحات البلاغية وتطوّرها، ص. 525–527. فن بلاغي في الشعرية العربية يقومُ على ترتيب العناصر ثم ردها إلى ما يقابلها. وفي الفارسية يكتب وينطَق «لَفّ ونَشر» (laff va nashr أو laff-o-nashr)، وفي التركية الحديثة «لِفْ أُ نَشْر» (leff ü neşr). ويتألّف المصطلح من لفظين: يدلّ أولهما على الطيّ وجمع الشيء وضمِّ بعضه إلى بعض، بينما يدلّ ثانيهما على البسط والنشر والإطلاق. وتحيل هذه الدلالات المعجمية إلى الصورة الحسية لطيِّ قطعةٍ من القماش أو لفِّ رَقٍّ، ثم بسطهما ونشرهما من جديد. وهي الصورة التي استُعيرت للدلالة على هذا الأسلوب البلاغي.2العلوي، الطراز المتضمّن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز، ج2، ص. 404–408.
وقد كان السكاكي (ت. 626 هـ 1229 م) أوّلَ من صنّف اللفّ والنشر كوجهٍ من وجوهِ البديع المعنوي التي الغرض منها هو تحسينُ الكلام. ويُعَرِّفُ السكاكي اللفّ والنشرَ على أنّه أسلوبٌ يقتضِي «أن تلف بين شيئين في الذكر ثم تتبعهما كلاماً مشتملاً على متعلقٍ بواحد وبآخر من غيرِ تعيينٍ ثقةً بأن السامعَ يرُدّ كلاً منهُما إلى ما هو له.» 3السكاكي، مفتاح العلوم، ص. 425.
اللفّ والنشر فنٌّ بلاغي قائمٌ على جمع عناصر متعددة، ثم ردّ ما يقابلها إليها في نسقٍ متناظرٍ، بما ينشئ علاقات دلالية بين تلك العناصرِ، سواءٌ أوردت في تركيب نثري، أم في مصراعين، أم في بيتين. وتُذكر في هذا اللونِ البلاغي عناصرُ عدّة معا، وذلك هو اللفّ، ثم يعقبُ ذلك النشر، وفيهِ ذِكرُ ما يقابلها من شروحٍ أو أوصاف.
ويتناول هذا المقال اللفّ والنشر باعتباره أسلوبا بلاغيا يقوم على جمع العناصر ثم توزيع ما يقابلها عليها، وذلك بالحديث أولاً عن أنماطه، ثم عن نشأته التاريخية وتطوره. كما سنذكر طرح «ونسبره» (Wansbrough) القائل بأن مصطلح اللفّ والنشر تبلور عن إعادةِ توظيفٍ تفسيرية لأسلوبِ بلاغي أقدم كان يعرفُ بـ«التفسير». كما تستعرضُ خاتمةُ المقالِ بعد تتبّع امتدادِ هذا الأسلوبِ إلى البلاغة الفارسية أوجه التشابه البنيوية بينه وبين بعض الأساليب الشعرية المبنية على التقابل في الأدب الأوروبي، مما يُمكِّن من الوقوفِ على مختلفِ أنماط التعبير القائم على التوزيع والتناظر. ونبدأ أولًا بالتعريف بأهم المصادر التي اعتمَدَت عليها هذهِ الدراسة، ثم يلي ذلك التحليل التصنيفي والتطورات التاريخية للفّ والنشر، .
متن الدراسة
ترصد هذه الدراسة ثلاث مراحل رئيسية في تطور مصطلح اللفّ والنشر وذلك من خلال جردٍ لمصنفات البلاغة العربية، والمؤلفات النحوية، وكتب التفسير، مُبرزةً أهمّ مصنفات كل مرحلة، حيث أولى المراحلِ هي مرحلة النشأة (ق. 3 إلى ق. 5 هـ / ق. 9 إلى ق. 11 م). وقد استخدِمَ فيها مصطلحُ اللفّ والنشر وظيفياً دون أن تكون له تسميةٌ اصطلاحية، ويظهر ذلك في الكاملِ في اللغة للمبرد، والمنصف لابن جني، وسرّ الفصاحة لابن سنان الخفاجي، والكشاف للزمخشري. أما في المرحلة الثانية، وهي مرحلة التسمية والتعريف (ق. 6 وق. 7 هـ / ق. 12 و ق. 13 م)، فقد اعتبِرَ اللفّ والنشر من نظريات النظم والبديع، وذلك كما هو الحال في نهاية الإيجاز للفخر الرازي، ومفتاح العلوم للسكاكي، وتلخيص المفتاح والإيضاح في علوم البلاغة للقزويني. وآخر هذه المراحل هي مرحلة ما بعد العصر الكلاسيكي (ق. 8 و ق. 9 هــ/ ق. 14 وق. 15م) وهي التي صار فيها تصنيف القزويني المرجع المعتمد في اللفّ والنشر، وزادَ في تدقيق هذا الأسلوبِ وتفصيلهِ من جاء بعده من الشُرّاح، وأبرزهم الزملكاني في التبيان، والعلوي في الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز، والتفتازاني في المختصر والمطول، والسيوطي في شرح عقود الجمان، وابن حجة الحموي في خزانة الأدب وغاية الأرب. وقد اعتمدت هذه الدراسة على مراجعة الطبعات العلمية المعتمدة للمصنفات المذكورة.
التحليل المصطلحي والدلالة التاريخية
تصنيف اللفّ والنشر وأمثلته التوضيحية
أعطى جلال الدين القزويني (ت. 739 هـ / 1338 م) تصنيفا منهجيا للفّ والنشر تبنّاه من جاء بعده من البلاغيين. وقد قسّم القزويني اللفّ والنشر إلى نوعين رئيسين: المفصّل والمُجمل. ففي الأول تُذكَر العناصر كلّها بوضوحٍ يميّزها بعضاً عن بعض، بينما في الثاني لا تميز فيه العناصر بل تُذكر مجتمعةً. وينقسم المفصّل إلى مرتّب وغير مرتب، وذلك حسب ترتيب ورودِ عناصر النشر وموافقتها أو مخالفتها في ذلك عناصِرَ اللفّ.4القزويني، تلخيص المفتاح، ص. 82–83؛ وانظر أيضًا: القزويني، الإيضاح في علوم البلاغة، ص. 268–269. وقد زادَ في تفصيلِ غير المرتبّ بعض البلاغيين المتأخرين وفي مقدمتهم سعد الدين التفتازاني (ت. 792 هـ/ 1390 م) وجلال الدين السيوطي (ت. 911 هـ/1505 م)، فقسّموا غير المرتّب إلى معكوسٍ ومشوّش (ويسمى مختلطا كذلك). 5التفتازاني، مختصر المعاني، ص696–698؛ التفتازاني، المطوّل، ص654–656؛ السيوطي، عقود الجمان، ص. 100؛ السيوطي، شرح عقود الجمان، ص. 269–271.
ومن أكثر الأمثلةِ التي استُشهِدَ بها على اللفّ والنشر المفصلِ المرتّب الآية 73 من سورة القصص: (وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ). فقد ذُكر في هذه الآية العنصرانِ المتقابلان: «الليل» و«النهار»، وهنا اللفّ، ثم رُدّ إليهما في النشرِ ما يقابلهما، وذلك في قوله تعالى: (لِتَسْكُنُوا فِيهِ) ثم (وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ). ومن الشواهدِ التي يَرِدُ فيها اللّف والنشر المفصّل المعكوسُ بيت منسوبٌ إلى ابن حيّوس يقول فيه:
كَيفَ أَسلو وَأَنتَ حِقفٌ وَغُصنٌ وَغَزالٌ لَحظاً وَقَدّاً وَرِدفا6نقلًا عن التفتازاني، مختصر، ص. 697.
حيث ترِدُ في هذا البيتِ عناصر النشر وهي «اللحظ» و«القدّ» و«الردف»، وذلك في عكس ترتيب العناصر المقابلة لها في اللف وهي «الغزال» و«الغصن» و«الحِقف». وأما من أمثلة اللفّ والنشر المشوشِ فشاهدٌ مشهور: هو شمس وأسد وبحر جوداً وبهاءً وشجاعة.7نقلًا في التفتازاني، مختصر، ص. 697.وفي هذا الشاهد لم ترِدِ العناصرُ المتقابلة في اللف والنشر، وهي: الشمس والبهاء، والأسد والشجاعة، والبحر والكرم، وفقَ ترتيبها، ولا على سبيل العكس، بل ورَدَت على نحوٍ مغايرٍ لكليهما.
ومن الشواهد التقليدية على المُجملِ قولهُ تعالى في سورة البقرة (الآية 111): (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَٰرَىٰ). ففي هذا الشاهد يُفهَمُ ضميرُ قالوا على وجهِ التوزيعِ، بحيث يعودُ على اليهود والنصارى، كلّ على حدة، فيُفهَم من الآية أن اليهود هم من قالوا: «لن يدخل الجنة إلا من كان هودا»، في حين قال النصارى: «لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى».
وللفّ والنشر نوعٌ رابعٌ كان موضِعَ نقاشٍ بين البلاغيين، وذلك في سياق تفسير الزمخشري (ت. 538 هــ/1144م) لقوله تعالى في سورة الروم (الآية: 23):
(وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ).
ووجهُ كونِ هذه الآية مثالاً للفّ والنشر هو أن عناصرها جاءت على غير الترتيب المألوف. وبناء على هذا التأويل كان الفصل بين العنصرين الأولين «الليل والنهار»، والعنصرين المواليين «منامكم وابتغاؤكم من فضله»، وذلك خلافا للنمط المألوف الذي تذكر فيه أولا عناصر اللفّ ثم عناصر النشر. ويشرح الزمخشري الآية بشرح ترتيب عناصرها للقارئ كما يلي: «ومن آياته منامكم وابتغاؤكم من فضله باللّيل والنّهار». ويُعلّل هذا التركيبَ بأن الزمان وما يقعُ فيهِ وحدةٌ مفهوميّةٌ واحدة، والغاية من استعمال اللفّ في هذا الشاهد هو تأكيدُ هذه الوحدة.8الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، ج4، ص. 572. وقد رأى السبكي أن هذا التفسير يثير إشكالًا كبيرًا. انظر: السبكي، عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح، ج2، ص. 246–250. ومثل هذه الاجتهاداتِ التفسيريّة أسّسَت مُنطلقا للدّراسات الحديثةِ عن التّطور التاريخي لهذا الأسلوب.
اللف والنشر والتفسير القرآني
يعزو «جون ونسبره» نشأة اللفّ والنشر إلى تطور المصطلح البلاغي العربي، ويرى أن ما وقع لاحقا من تقعيدٍ له في الخطاب البلاغي ارتبط ارتباطا وثيقا باستخدامه التفسيري ولم يكن فقط لاعتبارات جمالية خالصة. ويرى «ونسبره» أن مفسري القرآن أخذوا أسلوبا بلاغيا أقدم كان يستخدم في غير الخطاب القرآني عُرف باسم «التفسير» وتبنوه وأعادوا توظيفه، ثم غَلب مع الوقت استخدام «اللفّ والنشر» على المصطلح القديم. كما يرى «ونسبره» أن هذا التحول الاصطلاحي يعكس تطور المعجم الاصطلاحي للبلاغة، حيث فقد مصطلح «التفسير» وضوحه الاصطلاحي، وأخذت دلالته الاصطلاحية في الالتباس حتى انحسر استعماله في الخطابين التفسيري والبلاغي.9Wansbrough, “Arabic Rhetoric and Qurʾanic Exegesis,” 469–85.
ورغم أن «ونسبره» يصف التسمية الأقدم بأنها «أهمِلت»، فإن اللفّ والنشر لم يحلّ تماما محل التفسير في كتب البلاغة اللاحقة وكتب الشروح، وذلك رغم الدور الحاسم الذي أدّاه المفسرون ودور الشواهد القرآنية في تشكيل المصطلح البلاغي ووظائفه. وأما أوجه الالتباس الناشئة عن ورود المصطلحين معاً في المؤلفات البلاغية، وما يوجد من تداخلٍ بين شواهدِهِما التطبيقية، فموضوعٌ لم يستوفِ حقّه من الدراسة.
التطور التاريخي
وبصرف النظر عمّا يثار من فرضيات نظرية حول انبثاق «اللف والنشر» عن «التفسير»، فإنّ تمحيص هذا المصطلح وما ارتبط به من وظيفتي التوزيع والتماثل يكشف عن مسار تطوّري يمكن تتبع أطواره في ثلاث مراحل تاريخية تمتدّ حتى العصر الحديث.
مرحلة النشأة
ويرد هذا الأسلوب في مرحلة أولى دون تسمية اصطلاحية صريحة. وقد استشهد النحوي واللغوي المبرد (ت. 285 هـ/ 898م) في كتابه الكامل بالآية 73 من سورة القصص في سياق مرتبط باللف دون تسمية صريحة. وقبل أن يذكر المبرد الآية التي سبقت الإشارة إليها كمثال نموذجي للف والنشر المفصل المرتب يشير المبرد إلى أن «والعرب تلفّ الخبرين المختلفين ثم ترمي بتفسيرهما جملة؛ ثقة بأنّ السامعَ يردّ إلى كلّ خبره.»10المبرّد، الكامل في اللغة والأدب، ج1، ص. 107.
وقد استشهد ابن جني (ت. 392 هـ/1002م) بهذه الآية كذلك لبيان ما سماه «المجمل الذي يفصله العلم به»11ابن جنّي، المنصف، ج2، ص. 117. مستعملا أوصافًا استعملها القزويني لاحقا في تقسيمه المنهجي للف والنشر. وفي تحليله للآية يعيد ابن جني ترتيب العناصر فيها على النحو التالي: «وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ». ويبين ابن جني أن «تفضيل ذلك تُرك إلى علم السامع بوقت طلب الرزق من وقت السكون». وفي مثال آخر من شعر امرئ القيس:
كأنّ قلوب الطير رطبا ويابسا لدى وكرها العنّاب والحشف البالي12نقلًا عن ابن جنّي، المنصف، ج2، ص. 117.
ويحلل ابن جني البيت على أن مقصد الشاعر هو أن قلوب الطير «رطبة كالعناب، ويابسة كالتمر اليابس»، مبينا أنه «يجمع بين الرطب واليابس»، ومن ثم يخلص إلى أن هذا «في القرآن والشعر كثير، إذا تفطنت له وجدته».13ابن جنّي، المنصف، ج2، ص. 117.
وهناك إشارة لهذا الأسلوب هي أقدم وأقل دقة في سرّ الفصاحة لابن سنان الخفاجي (ت. 466 هـ/1073م)، وذلك في سياق حديثه عن المفهوم البلاغي: التناسب. إذ يشير إلى أنه من التناسب أيضا «حمل اللفظ على اللفظ في الترتيب ليكون ما يرجع إلى المقدم مقدماً وإلى المؤخر مؤخراً .» ويذكر مثالا لذلك بيتا للشريف الرضي يقول فيه:
قلبي وطرفي منك هذا في حمى قيظ وهذا في رياض ربيع14الخفاجي، سرّ الفصاحة، ص. 225.
وتنتهي هذه المرحلة من تطور اللف والنشر إلى معالجة الزمخشري لظاهرة اللف التفسيرية بوصفها وسيلة لتفسير ما غمض عن الأفهام من القرآن. ويحدد الزمخشري في تفسيره لعدد من الآيات القرآنية مواضع لأسلوب يسميه اللفّ (كما تقدّم إيضاحه)، مظهرا كيف يمكن لترتيب العناصر أن يكسب الكلام دلالات بلاغية ومعنوية دقيقة. ومثال ذلك قوله تعالى في سورة البقرة (الآية 185) عن صيام رمضان والرخص الواردة في ذلك: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ […] وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ). ويبين الزمخشري أن اللف هنا نوع لطيف المسلكِ لا يكاد يدركه إلاّ أهل البيان المتخصصون في هذا العلم. حيث يعود قوله تعالى: «ولتكملوا العدّة» على أصحاب الرخصة، حيث يعود قوله تعالى «فمن كان منكم مريضا أو على سفر» على الذين وجب عليهم قضاء ما أفطروه من أيام صيام رمضان. وأما قوله تعالى: «ولتكبروا الله» فعائدٌ على الذين صاموا الشهر بأكمله، و«لعلكم تشكرون» إلى الرخصة التي رخص الله تعالى بها لأصحاب الأعذار في الإفطار.15الزمخشري، الكشاف، ج1، ص. 384. وبذلك يكون الزمخشري قد قدم اللفّ بوصفه أسلوبا يجمع بين الوظيفتين التفسيرية والبلاغية، ويكشف التناسب الدقيق بين الأحكام الشرعية والحكمة منها.
مرحلة التقعيد الكلاسيكي
ويرد في المرحلة الثانية هذا الأسلوب للمرة الأولى على نحو صريح باسم اللف والنشر، ويعرف تعريفا واضحا مدعماً بالشواهد. ويعتبر الرازي (ت. 606 هـ/1209م) اللفّ والنشر من أنواع النظم، ويقول في تعريفه: «ليس «النظم» إلّا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه «علم النحو» وتعمل على قوانينه وأصوله».16الرازي، نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز في علوم البلاغة وإعجاز القرآن الشريف، ص. 164. ويذكر الرازي كذلك في باب أنواع النظم جملة من الأساليب البلاغية التي تُدَرس الآنَ بناءً على تقسيم السكاكي ضمن المحسنات البديعية. ويشبه تعريف الرازي لأسلوب اللفّ والنشر تعريف المبرّد له كثيرًا؛ إذ يقول الرازي أنّ اللف والنشر «هو أن تلفّ شيئين ثم ترمي بتفسيرهما جملة ثقة بأن السامع يرد إلى كل واحد منهما ما له». 17الرازي، نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز في علوم البلاغة وإعجاز القرآن الشريف، ص. 174.
وقد حظي اللفّ والنشر في مفتاح العلوم للسكاكي بتعريف أكثر دقة (كما تقدم الذكر)، حيث عدّه من المحسنات المعنوية. وقد واصل البلاغيون اللاحقون الأخذ بهذا المنهج الثنائي في تصور اللف والنشر ودراسته، حيث اعتبروا اللف والنشر إما بوصفه أحد أنواع النظم، أو كما وصفه الرازي في سياق إعجاز القرآن، أو كما وصفه السكاكي باعتباره أسلوبا بلاغيا معنويا يندرج في إطار المحسنات البديعية.
غير أن البلاغيين جميعهم لم يلتزموا التزاما صارما بأي من التصورين. فابن مالك (ت. 672 هـ/1274م) في تلخيصه لآراء السكاكي على سبيل المثال لم يدرج هذا الأسلوب لا ضمن الفصاحة اللفظية ولا ضمن الفصاحة المعنوية، وإنما عدّه من «الفصاحة المختصة بتحسين الكلام وتزيينه»، ويشرحها على أنها «الدالة على قوة عارضة المتكلم وتمكنه». 18ابن مالك الطائي الجيّاني، المصباح في المعاني والبيان والبديع، ص. 246.
ويظهر اتجاه آخر في معالجة اللفّ والنشر عند ابن البناء المراكشي (ت. 721 هـ/1321م) في كتابه الروض المريع في صناعة البديع، فقد تناول الظاهرة في باب «تشبيه شيء بشيء» ضمن حديثه عن المتناسبة التي يعرفها بأنها اشتباه النسب، إذ تقوم النسبة عنده بين طرفين تتولد منهما أربع صور، فإذا وجدت نسبة أخرى بين طرفين آخرين نتجت أربع صور أخرى ممكنة لانتظام هذه العناصر، وهي ما يسميه المتناسبة. ومن هذه الصور ما يوافق ثلاثة من الأنماط التي عُرفت عند البلاغيين باسم اللف والنشر المرتب، والمعكوس، والمخلط، في حين تخرج الصورة الرابعة عن مفهوم اللفّ والنشر بالمعنى الاصطلاحي: إذ يقترن كل عنصر بما يناسبه مباشرة، من غير أن تجمع العناصر أولا في لفّ ثم تفصّل في نشرٍ، ولا يطلق ابن البناء اسم اللفّ إلا على الصورة المختلطة.19ابن البنّاء المراكشي العددي، الروض المريع في صناعة البديع، ص. 108. ويجعل ابن البناء مثال الصورة الخارجة عن اللف والنشر قوله تعالى في سورة النبأ: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشًا).
وتبلغ المرحلة الثانية من تطور هذا المفهوم ذروتها في مؤلفات القزويني، حيث يقدم تعريفا منهجيا للفّ والنشر، مقسماً إياه إلى نوعين: المفصل والمركب، ثم المرتب وغير المرتب، ومبيناً كل نوع بأمثلة واضحة (سبق ذكرها).
اتساع مفهوم اللفّ والنشر في المرحلة ما بعد الكلاسيكية
لقد اعتمد الشرّاح والبلاغيون الذين جاؤوا بعد القزويني على التقسيمات التي وضعها، ويمثل ذلك المرحلة الثالثة من تطور اللفّ والنشر. وما يميّز هذه المرحلة هو أنه لم يكن فيها فقط تقليد لما سبق بل اتسع هذا الأسلوب ليدخل إلى لغات وتقاليد بلاغية أخرى، والفارسية مثال على ذلك. ويعكس هذا تصور البلاغة الإسلامية بوصفها منظومة متعددة اللغات. كما أنه قد ظهرت في هذه المرحلةِ تعريفاتٌ وتصنيفاتٌ وتقسيماتٌ عدّة للفّ والنشر، وأغنى فيها البلاغيون المصادر بمزيدٍ من الشواهد التوضيحية لهذا الأسلوب مستمدة من الحديث النبوي والشعر.
حيث يتناول مؤلف البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن مسألة إعجاز القرآن على مستويين: (1) الدلالات الإفرادية، و(2) مراعاة أحوال التأليف، ويدخل الكاتب اللفّ والنشر في سياق هذا الأخير، ويناقشه مع المسائل التي جرى العرف أن تلحق بعلم المعاني.20الزملكاني، البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن، ج9، ص. 313. ويدخل الزملكاني (ت. 651 هـ/1253م) خلافا للمألوف اللف والنشر في كتابه التبيان في علم البيان في باب أحوال اللفظ الذي يلحقهُ علم البديع لا في باب أحوال التأليف الذي يورد فيه معظم المسائل التي جرى العرف على إدراجها في علم المعاني.21الزملكاني، التبيان في علم البيان: المطلع على إعجاز القرآن، ص. 177.
وقد احتفظ العلوي (ت. 745 أو 749 هـ/1344 أو 1348م) بالتمييز الذي وضعه الزملكاني بين الدلالات الإفرادية والدلالات التأليفية، واعتباره محسنات البديع مستقلة عنهما. كما أن العلوي قد اعتبر اللف والنشر واحدا من عشرين نوعا من البديع، ووصفه بأن فيه «لطائف الإجمال والتفصيل»22العلوي، الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز، ج2، ص. 406.. وفي كثير من الكتب ومعاجم المصطلحات البلاغية العربية، يساق اللف والنشر إلى جانب أساليب الجمع والتفريق والتقسيم. وقد سميت هذه الأساليب على اسم العمليات الرياضية وتعنى بطرق إعادة ترتيب المعاني داخل البيت الشعري لإبراز أوجه التشابه الوظيفي بينها. والجدير بالذكر أن العلوي يعرف اللف والنشر بأنه «جمع يعقبه تفريق».23العلوي، الطراز، ج2، ص. 404.
ويذكر التفتازاني قسما استثنائيا من اللف والنشر يقوم على النشر المركب، ويعرفه على أنه «أن يذكر متعددان أو أكثر ثم يذكر في نشر واحد ما يكون لكل من آحاد كل المتعدين»24التفتازاني، مختصر المعاني، ص. 696–698.. ويورد مثالا على ذلك: «الراحة والتعب والعدل والظلم قد سد من أبوابها ما كان مفتوحا وفتح من طرقها ما كان مسدودا». في هذا المثال، ينقسم «اللف» إلى لفّين: «الراحة والتعب» أوّلًا، و«العدل والظلم» ثانيًا، ثم يأتي ما بقي من الكلام نشرا واحدا؛ إذ يقابل قوله: «سد من أبوابها ما كان مفتوحا» كلًّا من «الراحة والتعب»، ويقابل قوله: «وفتح من طرقها ما كان مسدودا» كلًّا من «العدل والظلم».25للاطلاع على تفسيرات هذا النوع من اللف والنشر، انظر: المغربي، مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح، ج2، ص523–528؛ والدسوقي، حاشية على مختصر المعاني، ج4، ص. 58–62.
ومن جملة ما استحدث في هذه المرحلة ما ذهب إليه ابن حجة الحموي (ت. 837 هـ/1434م)، إذ جعل اللف والنشر على أقسام بحسب عدد ما يقع عليه من العناصر المتقابلة، فجعل منه ما يكون اثنين باثنين، وما يكون ثلاثة بثلاثة، إلى غير ذلك، مع التمثيل لكل نوع،26ابن حجة الحموي، خزانة الأدب وغاية الأرب، ج1، ص. 149-155. في حين أورد السيوطي تعريفا منظومًا للّلف والنشر، وزاد في تفصيل غير المرتب بتفريقه بين المعكوس والمختلط.27السيوطي، عقود الجمان، ص. 100.
اللف والنشر في الفارسية
أدى انتقال اللف والنشر إلى التقاليد البلاغية الأخرى في العالم الإسلامي إلى ظهور وجوه جديدة من الدقة في مفهومه وتقسيماته متأثرة بالخصائص النحوية واللغوية لتلك اللغات. ومن ذلك ما نجده عند كاشفي السبزواري (ت. 910 هـ/1504م)، إذ قسم اللف والنشر في كتابه بالفارسية في علم البديع إلى قسمين: المصرّح والمبهم.28الكاشفي السبزواري، بدائع الأفكار في صنائع الأشعار، ص. 144. وجعل مناط هذا التقسيم تكرار لفظ اللف في النشر من عدمه. ويعكس هذا التقسيم تعريف التفسير وتقسيماته في البلاغة الفارسية، ويستند إلى آراء محمد بن عمر الرادوياني (تاريخ وفاته غير معروف) في كتابه ترجمان البلاغة (الذي ألفه بين سنتي 1088 و1114م)، إذ جعل للتفسير قسمين: الجلي والخفي، وهو تقسيم لم يعرف له نظير في البلاغة العربية. ويُراد بالتفسير الخفي «أن يقول الشاعر مصراعًا أو بيتًا ويأتي فيه بعدّة أقسام متتالية بدون تفسير، ثم يعود فيشرح تلك الأقسام المبهمة في مصراع آخر شرحًا مرموزًا».29بتصرّف عن ترجمة في الرادوياني، ترجمان البلاغة، ص. 86. ولتطور التفسير واللف والنشر في البلاغة الفارسية، انظر:Tahmasebian, “From Explication to Order,” 346–374. فإذا أعاد تلك الألفاظ المجملة خلال التفسير فإنّه يسمّى عند ذلك التفسير الجليّ، وإلّا فهو التفسير الخفيّ.
وقد اقتضت طبيعة اللغة الفارسية هذا التقسيم الإضافي، وذلك لافتقارها إلى بعض العلامات النحوية التي تعين على تحديد العلاقات بين عناصر الكلام. ففي تحليلات البلاغيين العرب للفّ والنشر نجد أن العلامات النحوية تؤدي دورا مهما في هداية القارئ إلى إدراك وجوه التقابل بين عناصر اللف والنشر.30وللاطلاع على استعمال مصطلح «التعيين» للتمييز بين التقسيم المختل واللف والنشر، انظر: الإسفراييني، الأطول، ج2، ص. 400. إن ما يسميه أبو البقاء الكفوي (ت. 1094 هـ/1683-1684م) باللف التقديري ويعرّفه بأنّه «هُوَ لف الْكَلَامَيْنِ وجعلهما كلَاما وَاحِدًا إيجازا وبلاغة»31الكفوي، الكليات، 798. لا يوافق ما عرضه كاشفي السبزواري للف والنشر، لأنه نشرٌ للف مقدّر؛ ومثاله قوله تعالى في سورة الأنعام (الآية 158): (لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا). ويعبّر الكفوي عن معنى الآية بقوله: «لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا ولا كسبها فِي الايمَانِ لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فيه خَيْرًا».
وطبقا لتفسير الكفوي، فإن الآية تنطوي على جمع قضيتين في عبارة واحدة موجزة، وهما:«لا ينفع نفساً لم تكن آمنت من قبل إيمانها»، و«لا ينفع نفسا لم تكسب في إيمانها خيرا كسبها فيه». وقد أعاد الكفوي بيان ذلك بعبارة أخرى، فصرح بما دلّ عليه الحذف في النظم القرآني، وأبرز العنصر الثاني الذي فُهم من السياق دون أن يذكر لفظاً، فكشف بذلك عن الاقتران الضمني الذي انطوى عليه التركيب. ومن هنا تتسع إمكانات المقارنة في هذا الأسلوب البلاغي إذ تجاوزنا نطاق الآداب الإسلاميكية إلى تقاليد أدبية أخرى.
خاتمة
إذا نظرنا إلى اللف والنشر من جهة المقارنة بين التقاليد الأدبية المختلفة، ظهر لنا أن بينه وبين ما عرف في الشعر الأوروبي بالشعر القائم على التقابل (correlative verse) مناسبة ظاهرة وشبها واضحا. وقد لاحظ «ونسبره» أن اللفّ والنشر يجمع بين خصائص الصيغة الشعرية التقابلية المعروفة في اللاتينية باسم versus rapportati وبين الأسلوب التفسيري المعروف بالإلحاق (subnexio)، أوالشرح التفسيري (gloss).32Wansbrough, “Arabic Rhetoric and Qurʾanic Exegesis,” 470. ويُشير مصطلح versus rapportati إلى أسلوب أدبي يُرتب فيه بيت أو أبيات على سلسلتين أو أكثر من الألفاظ أو المعاني، بحيث يقابل كل عنصر في السلسلة الأولى عنصرا مناظرا له في السلسلة الثانية على وجه الاطراد والانتظام.33Preminger and Brogan, eds., The New Princeton Encyclopedia of Poetry and Poetics, 242. ومن ذلك ما ورد في الأدب اليوناني القديم، من نحو: «أنت [أيتها الخمرُ] جرأةٌ، وشبابٌ، وقوةٌ، وغنى، ووطنٌ / للخجولِ، والشيخ، والضعيف، والفقير، والغريب»، حيث يقترن كل وصفٍ بما يناسبه من المخاطبين في تقابل واضح. ومن الأمثلة الشبيهة أيضا قولُ فيليب سيدني (Philip Sidney) في أركاديا: «فضيلةٌ، جمالٌ، وبيانٌ، أُصِبتُ، جُرِحتُ، وفُتِنت/ قلبي، عيناي، وأذناي غشيتهم الدهشة، والمحبة، واللذّة.»34Preminger and Brogan, eds., The New Princeton Encyclopedia of Poetry and Poetics, 242. ولكن «ونسبره» يرى أن هذا الأسلوب (versus rapportati) لا يوافق اللفّ والنشر على إطلاقه، بل هو أقرب ما يكون إلى اللف والنشر المرتب.
إن نشأة اللفّ والنشر من أسلوب التفسير بفضل جهود المفسرين في بيان ما قد يلتبس من العلاقات الدلالية في القرآن الكريم، ثم استمرارِ اقتران مصطلحي «اللفّ والنشر» و«التفسير» في مصنفات البلاغيين المتأخرين يدعو إلى التساؤل عن الفروق الدقيقة بينهما. ومع أن كتب البلاغة لم تفرد لهذه المسألة عناية كافية، فإن النظر في استعمالات الأسلوبين يدل على إمكانية التمييز بينهما تمييزا معتبراً، فكلاهما ينتقل بالمعنى من الإجمال إلى التفصيل، غير أنهما يفترقان في الوجهة والمقصد. فالتفسير بوصفه أسلوبا بلاغيا، فهو ذو طابع تأويلي، ويتمحور حول المتكلم. كما يقوم اللفّ والنشر في المقابل على تنظيم عناصر الخطاب، ويتمحور حول دور المتلقي، إذ يتطلب منه إقامة الروابط بين العناصر المرجعية المتفرقة في النص.35Tahmasebian, “From Explication to Order: The Persian Vernacularization of Arabic Rhetoric.” ويؤدي هذا التوزيع وظيفة دلالية تتمثل في توجيه القارئ إلى استكشاف المعنى، بينما يحقق في الآن ذاته خصائص جمالية من إيجاز، وتوازن وتناظر. كما أن عرض المعاني على هذا النحو غير المباشر يمنح المتلقي دورا فاعلاً في اكتشاف العلاقات الكامنة بينها، وهو ما يشكل أحد الأسس الرئيسة للتجربة الجمالية في الشعرية العربية الكلاسيكية.36Harb, Arabic Poetics: Aesthetic Experience in Classical Arabic Literature, 71. كما أن هذا الأسلوب يُمكّن الشاعر من أن يورد عدداً أكبر من أوجه التشابه، فينوع أنماط التشبيهات والاستعارات الجارية على الألسنة، ويجدد صيغها من غير خروج على سننها المألوفة في الأدب العربي.37Tahmasebian, “From Explication to Order: The Persian Vernacularization of Arabic Rhetoric.” وبذلك فإن اجتماع الوضوح الدلالي، واقتصاد العبارة، وإشراك المتلقي في استنباط المعنى، هو ما يميز منزلة اللف والنشر في الشعرية العربية الكلاسيكية، ويجعل منه أسلوبا قابلا للمقارنة مع نظائره في التقاليد الأدبية الأخرى.


اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.