مقدمة
في حدود ما نعلمه، لا تشهد المصادر العربية المبكرة استعمالًا واسعًا أو مستقرًا لمصطلح «الغزل العذري» بوصفه تسمية نقدية مستقلة.1 المقال نسخة موجزة ومعدلة من مقاطع مختارة من كتابي «الجسد في الغزل العربي» (The Body in Arabic Love Poetry, 2021). وتشير الشواهد المتاحة إلى أن اقتران بني عُذرة بأشكال من الحب الهائم، والمثالي، والمفضي غالبًا إلى المأساة، سابق على تبلور المصطلح نفسه. فقد قرن الجاحظ، كما هو معروف، بني عُذرة بالحب الذي يفضي بصاحبه إلى الموت. غير أن كتب الأدب القديمة انصرفت في الغالب إلى أخبار العشاق والمتيمين ومن عُرفوا بـ«شهداء الحب»، لا إلى استعمال «الغزل العذري» بوصفه تسمية أدبية مستقرة. ومن ثمّ، يبدو مفهوم الغزل العذري، بوصفه مفهومًا أدبيًا محدّد المعالم، ثمرةَ صياغة وتصنيف نقديَين لاحقين.
يجمع الباحثون المعاصرون أنّ بروز الغزل بوصفه شكلًا شعريًا متميزًا ومستقلّا عن الأشكال الشعرية الأخرى كان إبّان العصر الأموي. ومع أن الحب كان حاضرًا منذ زمن طويل قبل ذلك ضمن تقليد القصيدة من حيث الموضوع،2Alharthi, Jokha. “The Evolution of the Love Story in Classical Arabic Literature: Al-Muraqqish al-Akbar and ʿUrwah Ibn Ḥizām as Models of Pining Lovers,” 2. ولا سيما في شعر النسيب، إلّا أن الغزل أخذ يُنظَم على نحو متزايد بوصفه جنسًا مستقلًا نسبيًا، موضوعه الوحيد هو التعبير عن الحب والشوق إلى المحبوبة في أواخر العصر الإسلامي وإبّان العصر الأموي. ولا يقف هذا الحب في القصيدة العذرية عند البعد الإيروتيكي فقطّ، بل تتداخل فيه أبعاد وجدانية وروحية أيضًا فيأتي جامعًا لحب الظمأ (eros) وحب الفيض (agape). وقبل ذلك شكَّل النسيب مقدمة افتتاحية للقصيدة متعددة الأغراض التي قد تُقال في مدح زعيم أو قبيلة أو الشاعر نفسه، إضافة إلى احتوائها وصف رحلة الشاعر وناقته أو فرسه وغير ذلك.
وغالباً ما يُصوَّر مَن اصطُلِحَ عليه لاحقاً بـ «الشاعر العذري» كعاشقٍ موقوفِ القلبِ على محبوبةٍ واحدة، يَهَبُها مُعظمَ سِني حياتِه وقصائِدِه، ولا يَلتفِتُ إلى النَّظمِ في غيرِ ذلك من الأغراضِ الشِّعريَّةِ كالمديح والهجاء إلّا لِماماً. يشير الغزل إلى شعر الحب، غير أن التراث العذري يشمل كذلك قصص العذريين التي لا يمكن فصلها عن شعرهم. ويتّسم الحب في الغزل العذري بأنه حبٌّ مهلِك يُفضي بصاحبه في كثير من الأحيان إلى الموت.
وتُصَوَّر الحبيبة في الغزل العذري بأنها امرأة مثالية ويُصَوَّر شاعرها العاشق بأنه شهيد الحب، لذا يتكرَّر موضوع المعاناة ولوعة الهوى في هذه القصائد، ويتفنَّن الشاعر في استخدام صور ورموز بعينها لوصف غرامه ومعاناته. ومن خصائص الغزل العذري كذلك، اعتمادُه على طائفةٍ من المعاني والصور النمطية المتكررة؛ كاستحضار شخصيتي «العاذل» و«الرقيب»، ورسم مشاهد الفراق والتيه في الفيافي، فضلاً عن صور النحيب، والسُّقْم، والموت. ويُطْلَق على الغزل العذري هذا الاسم نسبة إلى قبيلة بني عُذْرَة3«قبيلة عربية بدوية من بني قضاعة، ونسبها: عذرة بن سعد بن هُذيم بن زيد بن ليث، وقد مثَّلت المجموعة المركزية بين نسل سعد بن هذيم وانضمت إليها عشائر أخرى كعشيرة الحارث بن سعد بن هذيم وعشيرة سلمان بن سعد بن هذيم. وقد عاش بنو عذرة في مشارف الشام التي يُقصد بها هنا شمال الحجاز، وكانوا يرتبطون بوجه خاص بوادي القرى.» انظر:Lecker, People, Tribes, and Society in Arabia around the Time of Muhammad, 91. التي أثْرَت هذا التراث الشعري بالعديد من شعرائها البارزين. وقد اقترن اسمُ هذه القبيلةِ في الموروثِ الأدبي بنموذج مثاليٍّ للعشق؛ فكثيراً ما صُوِّروا عُشَّاقًا رقيقي الأفئدة، يُفضي بهم تفانيهم في العشق إلى مُكابدةٍ مريرة، بل وإلى الموت في بعض الأحيان.4انظر إشارات إلى هذا الموضوع عند الأنطاكي، «تزيين الأسواق في أخبار العشاق»، 19، والسَّرَّاج، «مصارع العشاق»، ج 1، 37. الشاعر العذري جميل بن عبد الله بن مَعْمَر المعروف بجميل بثينة (82 هـ/ 701 م) الذي يُعَدُّ رائد هذا الفن الشعري، كان ينتمي إلى قبيلة بني عذرة، بيد أنه كان هناك شعراء عذريون أيضًا من قبائل أخرى كمجنون ليلى من بني عامر. ويعدّ عروة بن حزام (30 هـ/ 650 م)، ومجنون ليلى (= قيس بن الملوّح، 68 هـ/ 688 م)، وقيس بن ذريح (68 هـ/ 688 م)، وجميل بثينة (82 هـ/ 701 م)، وكُثَيِّر عزَّة (105 هـ/ 723 م) أبرز الشعراء العذريين. بالتركيزِ على كتاب الأغاني بوصفه مصدرًا رئيسًا للشعر العذري، تبحث هذه الدراسة في البنية السردية والمحاور الرئيسة للقصيدة العذرية، وتسلّط الضوء في الختام على تاريخ التيمة العذرية وصولًا إلى الأدب الحديث.
متن الدراسة
يُعدّ «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت 356هـ/967م)5وقد رجّحت هيلاري كيلباتريك، اتّباعاً لابنِ النديم، أنّه توفي بعد ذلك ببضع سنواتٍ («مطلعِ ستينيات القرن الرابع الهجري». أنظر:
Kilpatrick, Hilary. Making the Great Book of Songs, 20
المصدرَ الرئيس لأي دراسة في التراث العذري. ويشمل هذا العمل، في أجزائه الأربعة والعشرين ونحو عشرة آلاف صفحة، قصائد وأغاني تمتد من عصور ما قبل الإسلام إلى القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، فضلًا عن سير الشعراء والموسيقيين، وأوصاف مفصلة للأوساط الأدبية والموسيقية. ولم يكتفِ الأصفهاني بتوثيق الأغنية باسم الشاعر والمؤلّف وأنماط الإيقاع واللحن المستخدمة، بل وضع في كثير من الحالات أوصافًا دقيقة للسياق الذي أُلِّفت فيه الأغنية وأُدّيت، إيمانًا منه بأن السياق شديد الأهمية لفهم النص نفسه فهمًا صحيحًا. 6Sawa, ‘The Status and Roles of Secular Musicians in the Kitab al-Aghani (Book of Songs) of Abu al-Faraj al-Isfahani’, 70. كما أورد تفاصيل وافية عن السلوك الجسدي واللفظي والاجتماعي للموسيقيين والجمهور، وعن عمليات التعلّم والتأليف والتغيير، ووظائف الأغاني واستعمالاتها، وسبب الارتجال النصي والموسيقي وطبيعته.7Sawa, ‘The Status and Roles of Secular Musicians in the Kitab al-Aghani (Book of Songs) of Abu al-Faraj al-Isfahani’, 70.
طالما كانت موثوقية التراث العذري بشعره ورواياته مثار جدل وشك لدى العديد من المؤلفين، وقد بدأوا بالمصدر الكلاسيكي الأهم، «كتاب الأغاني»، مُلقين ظلالًا من الشكوك ليس فقط على القصائد المنسوبة إلى مجنون ليلى، بل وأيضًا على وجوده في الواقع.
وتستغرق أخبار مجنون ليلى في طبعة «كتاب الأغاني» المعتمدة هنا نحو خمس وتسعين صفحة، يناقش فيها الأصفهاني الروايات المتضاربة التي تؤكد وجود المجنون وشعره أو تشير إلى أنه شخصية خيالية. ووفق الكتاب، يزعم بعض الرواة أن رجلًا من بني عامر سُئل عن مجنون ليلى فأنكر وجوده قائلًا: «هيهات، بنو عامر أغلظ أكبادًا من ذاك.»8الأصفهاني، «كتاب الأغاني»، ج 2، 330. ويستشهد الأصفهاني أيضًا بالجاحظ الذي قال: «ما ترك الناس شعرًا مجهول القائل قيل في ليلى إلَّا نسبوه إلى المجنون.»9الأصفهاني، «كتاب الأغاني» ، ج 2 333. لكن العديد من الرواة أيضًا -حسب الأصفهاني- يؤكدون أنهم قابلوا المجنون وسمعوا شعره من لسانه.10الأصفهاني، «كتاب الأغاني»، ج 2 333.
وما زال الجدل قائمًا بين الباحثين المعاصرين بشأن موثوقية الشعر العذري بوجه عام ووجود المجنون ونظمه الشعر بوجه خاص. فعلى سبيل المثال يشكِّك طه حسين، في «حديث الأربعاء»، في شعر المجنون ووجوده ليصل إلى إنكار وجودهما تمامًا.11حسين، «حديث الأربعاء»، 190. ولا بُدَّ من قراءةِ تشكيكِ طه حسين في الوجودِ التاريخيِّ لـمجنون ليلى في ضوءِ سياقهِ الفكريِّ والتاريخيِّ الخاص إبَّان أوائلِ القرن العشرين. فمن المعلوم عن حسين نُزوعُهُ نحو اتخاذِ مقاربةٍ يغلبُ عليها الشك حيالَ مدى أصالةِ الشعرِ العربيِّ القديم وما يقترنُ به من أخبارٍ وتراث. ومن جهة أخرى، يؤكِّد الباحث الروسي كراتشكوڤسكي حقيقة الوجود التاريخي للمجنون بالاستناد إلى المنهجية التاريخية.12البطل، «الغزل العذري واضطراب الواقع»، 2.
وعلى أية حال لقد سعى رواة الأخبار إلى الإغراء والإدهاش والتعجيب بخلق عوالم رائقة للعشاق، أكثر من سعيهم لدقة التأريخ، وإمكانية وقوع الأحداث في العالم الفعلي13محمد الخبو، أخبار العشاق وعوالمهم، 66.، فهذه الأخبار لا تقدم عوالم فعلية صادقة المعالم، وإنما عوالم ممكنة قد يتسرَّب إليها التخييل14محمد الخبو، أخبار العشاق وعوالمهم، 42.، والسعي إلى إثبات الموثوقية أو الصدق في نصوص تجنح للتخييل هو سعي بلا طائل، «فالصدق القائم في هذه العوالم ليس ذلك الذي يتحقق بمطابقته لما قبله، وإنما الصدق المتأتي من منطق الخبر نفسه»15محمد الخبو، أخبار العشاق وعوالمهم، 43..
الدلالة التاريخية والتحليل السياقي
بُنية قصة الحب العذرية
يمكن إيجاز العناصر النموذجية لحكايات الشعراء العذريين العاطفية في السرد الآتي:16ليس المقصود بأي حال من الأحوال إيجاز هذه الحكايات في صيغ بسيطة، لكنني سعيت إلى إبراز بعض عناصرها الرئيسة. يتلاقى الحبيب وحبيبته إمَّا في طفولتهما وهما يرعيان شياه عائلتيهما في الصحراء، وإمَّا وهما بالغان في لقاء مفاجئ. يقعان في حُبٍّ متأجِّج، حُبٍّ يستمر حتى الموت، ومن ثم ينظم العاشق شعرًا واصفًا لواعج حبِّه. لكنَّ والدَي المحبوبة يرفضان عرضه بالزواج بحجّة أن أشعاره تجلب العار لابنتهما ولهما، ويقع هذا على الرغم من حقيقة أن العاشقين ينتميان إلى القبيلة نفسها وفي بعض الأحيان إلى العائلة نفسها. في بعض الأحوال يقف طلب مهر باهظ الثمن حائلًا دون الزواج، فيذهب العاشق ضاربًا في الأرض باحثًا عن الثروة، في حين يُكْرِه الأبوان ابنتهما على الزواج برجل آخر عادة ما تكون خصاله دون مستوى خصال العاشق، ثم ترحل المحبوبة مع زوجها. يزيد زواجُها أُوارَ عشق حبيبها، فيلاحق الشاعر كسير الفؤاد محبوبته ويردِّد القصائد الجميلة التي تبلغ القاصي والداني، واصفًا جمال حبيبته ولظى حبِّه.17ذهبَ بعضُ الدارسين إلى تفسيرِ معاناةِ العشاقِ العذريين على أنها انعكاسٌ لهويةٍ ذكوريةٍ متذبذبةٍ، وضَربٍ من الحبِّ يتجاوزُ صورتَه المثاليةَ، كاشفاً عن توترٍ نفسيٍّ وصراعٍ داخليٍّ عميق. النيص، ليث ماهر، وعبد الخالق عيسى. «بناء الهوية الجمعية عند شعراء الغزل العذري: قراءة نفسية في الذكورة والعشق». أنساق في الآداب والعلوم الإنسانية 8، ع. 2 (2024): 31–56. يواصل سعيه إلى زيارة حبيبته بعد زواجها ويظلان مخلصين في حبهما حتى الموت. وبسبب إصرار الشاعر على رؤية محبوبته ونظم الشعر فيها يشكوه أبواها إلى الحاكم الذي يحكم بهدر دمه. ينفيه الحاكم فيهيم الشاعر المنفي على وجهه في الصحراء. وفي بعض الروايات، يقوده هيامه إلى الجنون، لكنه كلما تذكَّر محبوبته تنزَّل عليه إلهام الشعر. وفي نهاية المطاف سرعان ما يقضي العاشقان نحبهما أحدهما بعد الآخر، وتذهب بعض الروايات إلى أنهما يوارَيان الثرى أحدهما إلى جوار الآخر.
تُعدُّ هذه الأحداثُ بمثابةِ عناصرَ متكررة (موتيفات) نجدُها في العديدِ من حكاياتِ العشق العذري، حيث تُشكِّل الهيكلَ الجوهريَّ لحبكتها. وهي بنيةٌ يرتكزُ قِوامُها بالدرجةِ الأولى على البُعد الرمزي. ويوحي تكرار هذا النمط بأن معظم هذه القصص تحاكي نموذجًا واحدًا. وترى الحارثي أن هذا التراث الأدبي اتبع نموذجًا مستمدًا من إحدى أقدم قصص الحب، وهي القصة المنسوبة إلى الشاعر الجاهلي المرقّش الأكبر.18Alharthi, Jokha. “The Evolution of the Love Story in Classical Arabic Literature,” 2-4. إذ يمكن النظر إلى الصور الرمزية في هذه القصص عبر بعض السمات المشتركة التي تمنحها بُعدها الأسطوري، وهي، كما يلاحظ البطل: الغموض الذي يكتنف هويَّة مؤلفي هذه القصص، والثيمات المتكررة في كل قصة التي تجعل جميع القصص العذرية تركِّز على موضوع واحد بغض النظر عن الفروق الطفيفة بينها في التفاصيل.19البطل، «الغزل العذري واضطراب الواقع»، 181.
سمات الغزل العذري
إن السِّمة الرئيسة للتراث العذري هي إخلاص الشاعر الشديد في حبه، ويسود هذا الموقفُ القصصَ العذرية كلَّها والشعرَ العذري كلَّه، إذ يُصَوَّر العُشَّاق على أنهم مُثُل عليا للحب، فلا يعلم القارئ شيئًا عن حياتهم خارج هذا العشق. توصف مشاعر الحب وما يصاحبه من عذاب في الشعر العذري بطرق لا حصر لها. لا يرغب العشاق في التخلص من آلامهم لأن الألم هو المعيار الصادق الوحيد للحب الحقيقي،20Kinany, The Development of Ghazal in Arabic Literature, 258. تصبح الحبيبة نموذجًا لامرأة أزلية وخالدة، ويخلع الشاعر على محبوبته صورة خارج الزمن. إنَّ البادية بفضائها الممتد وسكونها تتيح محيطًا ملائمًا لنشوء قصص الحب العذري، فهذا الفضاء الشاسع الهادئ، يوحي بالثبات، وهو ما يوافق مفهوم الزمن الثابت في الشعر العذري، وهكذا فإن البادية إطار مثالي كمكان لا يتغيَّر لزمان لا يتغيَّر. يفقد قارئ القصص العذرية والشعر العذري كل إحساس بالزمن في وقائع قصص الحب، إذ يبدو أن الزمن يتوقَّف لدى العشاق، وأن هيامهم ينفصل عن الزمن ولا يتأثر به. وخلافًا للنسيب، الذي يتمحور أساسًا حول حب ضائع أو ماض ضائع تقف الذاكرة عنده، فإنّ الغزل العذري يركّز على شعور بالحب متواصل يحياه العاشق في حاضره ويحمله معه إلى مستقبله، «بينما يتخلَّى الشاعر الجاهلي عن علاقة حب ماضية غير ذات جدوى، يصمد الشاعر العذري في وجه القنوط واليأس. حبُّه يحكمه القدر ويتجاوز الموت.»21Jacobi, “ʿUdhrī,” 775.
مجنون ليلى يعبِّر عن شعوره إزاء فقد محبوبته قائلًا (البحر الطويل):
كأنَّ فجاجَ الأرض حلقةُ خاتمٍ عليَّ فما تزداد طولًا ولا عرضَا22ديوان مجنون ليلى، 134.
ومثلما يتبيَّن من عناصر هذه الحكايات، فإن مغامرة العشاق تحتاج إلى شخصيات ثانوية تقف حجر عثرة أمام الشخصيات الرئيسة، فلا يمكن سرد مغامرة عشق ملتهب دون أن تكون هنالك عراقيل يضعها الآخرون. هذه العراقيل تبثُّ الحياة في القصة وتجعلها دائمة، فالآخرون أفضل ضمانة للحب الكامل والمطلق والأبدي.23انظر مناقشة ميكل أفكارًا مشابهة في: مجنون ليلى وتريستان، أندريه ميكل، ترجمة غسان السيد، 81-89. وبذلك فإن الموضوع الرئيس في القصص العذرية هو أنه لا يمكن التغلب على العراقيل ولا يمكن التخلي عن الحب نفسه. وتقترح جاكوبي أن «الصراع قائم بجلاء بين أجيال: فالآباء يمثِّلون المجتمع القبلي الذي ضده يوجَّه الجدل الضمني للنموذج العذري.»24Jacobi, Die Udhra. وهنا تجدر الإشارة إلى أن المجتمع في القصص العذرية يرفض العشاق بطريقة أو بأخرى، ويلفظهم ويقصيهم إلى عالم الصحراء، لذلك تبدو شخصية العاذل مألوفة في الغزل العذري، وتتمثَّل وظيفتها في إقناع الشاعر العاشق بأن يكون أكثر اعتدالًا أو بعبارة أخرى، يمنع العاذل «العاشق من الإتيان بعمل بطولي.»25Hamori, On the Art of Medieval Arabic Literature, 40. بيد أن الحب بالنسبة إلى هؤلاء الشعراء كان موضوعهم الرئيس، ونمطًا في العيش يمنح حياتهم مغزى. يقول مجنون ليلى:
وقالوا لو تشاءُ سَلوتَ عنها فقلتُ لهم فإني لا أشَاءُ 26ديوان مجنون ليلى، 12.
لا يرغب الشاعر العذري في امرأة أخرى إلا محبوبته، ومثلما يفوق حبُّه حبَّ جميع العشاق، كذلك محبوبته تفوق جميع النساء، وإنه ليرضى بالقليل منها؛ يقول جميل بثينة (البحر الطويل):
وإني لأرضَى من بثينة بالذي لو أبصرهُ الواشي لقرَّتْ بلابلُه بلا، وبألا أستطيع، وبالمنى، وبالوعدِ حتى يسأم الوعدَ آملُه وبالنظرةِ العجلى وبالحولِ تنقضي أواخرُه لا نلتقي وأوائلُه
وهي علَّة شقائه وهي دواؤه؛ يقول المجنون (البحر الطويل):
تداويتُ من ليلى بليلى عن الهوىكما يتداوى شَاربُ الخمرِ بالخمرِ27ديوان مجنون ليلى، 150.
مع أن الغزل العذري يصف المحبوبة بأنها بخيلة وبعيدة المنال، فإن هذا لا يعني أن الحب العذري حبٌّ غير متبادَل، ذلك لأن وصف المحبوبة بالبخل تقليد عريق في الشعر العربي الكلاسيكي، يقول جميل في بثينة مُظهرًا تبادلهما العشق والصَّبابة (البحر الطويل):
كِلانا بَكى أَو كادَ يَبكي صَبابَةً لصاحبه وَاِستَعجَلَت عَبرَةً قَبلي28شرح ديوان جميل بثينة، 78. تتسم قصائد جميل وغيرِه من الشعراء العذريين عمومًا بأنها أحادية الموضوع، غير أنها قد تكون بالغة الطولِ؛ مثل المطوَّلات التي لا تنتهي والمقفاة بالياء والألف (ـيا) والمنسوبة إلى مجنون ليلى، والقصائد الطويلة المقفاة بالنون والياء (ـاني) والمنسوبة إلى عروة بن حزام، أو تلك القصيدة المنسوبةِ إلى قيس بن ذريح (من بحرِ الطويلِ، وقافيتها «-اعِعُ») والتي يتجاوز عدد أبياتها الخمسين بيتًا. ومما يسترعي الانتباه هو هيمنة بحر الطويل والغياب العام للبحورِ القصيرة (إذ يندر استخدام بحور الخفيف، والرمل، والرجز).
يصوِّر الغزل العذري العديد من مظاهر أثر العشق في جسد العاشق العذري، وتتشابك هذه المظاهر، وأهمها البكاء، والمرض والنحول، والإغماء، والجنون، والموت. ففي بيته الشهير يقرِّر قيس لبنى (البحر الطويل):
وللحبِّ آياتٌ تَبِينُ بالفتى شحوبٌ وتَعْرَى من يديهِ الأشاجعُ29ديوان قيس، 66.
إن استخدام قيس كلمة «آيات» في هذا السياق استخدام مهم ولافت، لأنه يدلنا على أن الاستدلال بالعلامات الجسدية المتبدّية في العاشق باعتبارها وسيلة لإثبات حبِّه، كانت فكرة موجودة ومعروفة منذ الفترة الزمنية التي عاش فيها قيس لبنى.30للمزيد عن علامات الحب الجسدية في التراث الغزلي العربي، أنظر: الحارثي، الجسد في الغزل العذري، 271.
إن العلاقة الوثيقة بين الحب والموت عنصر جوهري في تجربة الغزل العذري، إذ يموت معظم العشاق بسبب عشقهم المهلك، ولذا تزخر قصائدهم بالإشارة إلى الموت. «حُبٌّ كهذا يكاد يكون بالضرورة مأسويًّا، ومأسويته رمز لعدم التوافق بين المطلق والمادي، بين الحياة المثالية والحياة الواقعية.»31Johann Christoph Bürgel, “Love, Lust, and Longing: Eroticism in Early Islam as Reflected in Literary Sources”, in al-Sayyid-Marsot, Society and the Sexes in Medieval Islam, 92..الموت أحبُّ من حياة الفرقة، والموت رغبة، أو خلاص مرغوب من شقاء الحب وحرمانه. إن الموت باعتباره أمنية فكرة شائعة في الغزل العذري، إنه نهاية درب الآلام، ها هو جميل بثينة يتمنَّى (البحر الكامل):
يا ليتني ألقى المنيَّةَ بغتةً إن كان يومُ لقائِكم لم يُقْدَرِ32ديوان جميل، 39.
من جهة أخرى، إن لأمنية الموت في الغزل العذري بعدًا آخر، أعمق من رغبة الخلاص من الشقاء، فالموت وسيلة للقرب من المحبوبة، والاتحاد بها اتحادًا مطلقًا ونهائيًّا، فإذا كان اللقاء في الحياة مستحيلًا، فليكن بعد الممات، في حياة أخرى، لا يتسلَّط فيها بشر على مصائر آخرين. عروة، على سبيل المثال، يتوق إلى أن يكون مع عفراء، حتى إن كان ذلك مرهونًا بموقف عظيم مثل يوم الحشر(البحر الطويل):
وإني لأهوى الحَشْرَ إن قيلَ إنني وعفراءَ يومَ الحَشْرِ ملتقيانِ33ديوان عروة، 41.
ينطوي هذا البيت على فكرة أساسية في الحب العذري، وهي فكرة خلود هذا الحب، وبقائه إلى ما بعد الموت. فالحب لا نهاية له، حتى بالموت، وهو الحقيقة المطلقة في تجربة الشاعر الوجودية في الحياة، وملازم له بعد الموت. يقول قيس لبنى (البحر الطويل):
ولكنه باقٍ على كلِّ حادثٍ وزائرُنا في ظُلْمَةِ القبرِ واللَّحدِ34ديوان قيس، 123.
يبدو أن الشعراء العذريين كانوا بعيدين عن فكرة الزواج إذ أن التراث العذري بأكمله يتحدّى إمكانية العلاقة الزوجية بين العشاق العذريين، وحتى إذا تزوجوا، كقيس ولبنى، ستفرِّق بينهم الروايات لكي تضطرم نار شوقهم، وهذا هو موضوع أساسي في الشعر العذري. ويستمر الشاعر في زيارة محبوبته على الرغم من حقيقة تزويجها رجلًا آخر، ودائمًا ما يُعامل زوجها على نحو غير متعاطف، فيظهر بمظهر المثير للشفقة والمكروه35الحارثي، «ثيمة الزواج في التراث العذري»، 42..
يقول مجنون ليلى (البحر الطويل):
فإن كان فيكم بعلُ ليلى فإنني وذي العرشِ قد قبّلتُ فاها ثمانيا36ديوان مجنون ليلى، 237.
وبينما يركِّز الموقف الإسلامي على التكاثر بوصفه نتيجة المتعة الجنسية، لا نجد في التراث العذري أثرًا للإنجاب. وعلى الرغم من اهتمام شعر الغزل في بعض الأحيان بوصف جسد المحبوبة،37انظر مثلًا قول قيس بن ذريح في لبنى: «لها كفلٌ يرتجّ منها إذا مشت / ومتنٌ كغصن البان مضطمرُ الخصر»، وقوله: «يا أكمل الناس من قرن إلى قدم / وأحسن الناس ذا ثوب وعريانا // نعم الضجيع بعيد النوم تجلبه / إليك ممتلئًا نومًا ويقظانا».
Geert Jan van Gelder, ed. and trans., Classical Arabic Literature: A Library of Arabic Literature Anthology, 142, 147.
فإنّ صورتها قلّما ترتبط باحتمال الأمومة.
يشدّدُ الكثيرُ من الباحثينَ على قسوةِ ظروفِ الحياة وضَنكِها في الباديةِ، ويرونَ أنَّ هذه البيئةَ أسهمت في تشكيل مُثُلِ أدبية قوامها التعفُّفِ وكبحِ العواطفِ، والبين، والعشقِ الممتنع. ويذهبون إلى أنّ هذه الظروف شكّلت، بالإضافة إلى الشعور بالعجز وأعراف البدو الصارمة، العوامل الرئيسة التي مهّدت لنشوء الغزل العذريّ وظهوره؛ يرى القط مثلًا إن العفة الدينية لا يمكن أن تكون العامل الوحيد الذي يفسِّر نشوء الظاهرة العذرية، فهو يضع في الحسبان العوامل الاجتماعية والسياسية. 38القط، «في الشعر الإسلامي والأموي»، 109، 130. للاطلاع على رأي مشابه، انظر خليف، «الحب المثالي عند العرب»، 7. ويتبنَّى يوسف اليوسف وعلي البطل تفسيرًا اجتماعيًّا طبقيًّا لظاهرة الغزل العذري، فينظر البطل إلى القصص العذرية على أنها أساطير ويحلِّلها تحليلًا رمزيًّا، في حين يجمع تحليل اليوسف بين التفاسير الاجتماعية والنفسية للظاهرة العذرية، إذ يعد اليوسف القهر السياسي الذي مارسه الأمويون والقمع الاجتماعي الناتج عن هيمنة قيم اجتماعية بعينها أساسين لتفسيره الظاهرة العذرية، فتجربة القهر تفضي إلى فقدان الهويَّة الذي يعوِّضه نظم الشعر.39اليوسف، «الغزل العذري: دراسة في الحب المقموع»، 66. ويعبِّر البطل عن فكرة مماثلة مجادلًا بأن الظاهرة العذرية التي انتشرت في بادية الحجاز تعكس تجارب قاطني الصحراء في الفترة التي نُظِمت فيها القصائد، وتعبِّر أيضًا عن آراء أهل البادية في الظلم السياسي الذي مارسه حكامهم، ولمَّا كانت حرية التعبير محظورة، فقد أشار الشعراء إلى هذا الظلم إشارة رمزية.40البطل، «الغزل العذري واضطراب الواقع»، 181.
ولتفسير ظاهرة شعر الحب في الحجاز ترى الجيوسي أن شعراء الحجاز كانوا يتمتعون بوقت فراغ أكبر مما تمتع به الشعراء في المناطق الأخرى فتمكنوا من تحويل اهتمامهم إلى هذا النوع الشعري. إضافة إلى ذلك، نتج عن فقدان منطقة الحجاز مكانتها كحاضرة ثقافية في الجزيرة العربية ردُّ فعل لعلَّه عُبِّر عنه برومانسية غزلية، ثم إن المجتمع الحجازي المتحضِّر منذ زمن طويل قد نشر نمط حياته في المناطق كلها. وأخيرًا تقترح الجيوسي إمكانية ظهور بدعة شعرية قُدِّر لها أن تشتهر فحسب، مجادلةً أن لهذه البدعة سمة متميزة تتجاوز الظروف البيئية والتاريخية.41Jayyusi, Umayyad Poetry, 425.
تطوُّر ظاهرة الغزل العذري باعتبارها تراثًا أدبيًّا
بعد ازدهار الغزل العذري في العصر الأموي وشيوع روحه بين الفقهاء في المدينة ومكة، لم يعد ممكنًا اقتفاء أثره باعتباره لونًا أدبيًا مرة أخرى إلا في العصر العباسي عندما أصبح الحب العذري يقدم مثلًا أو نموذجًا رفيعًا لمجتمع البلاط، على اختلاف الرؤية الأخلاقية السائدة في هذا المجتمع اختلافًا واضحًا عمَّا كانت عليه في العصر الأموي. فبعد وفاة الشعراء العذريين بنحو خمسين ومائة عام جُمِعَت قصصهم وأخبارهم وآثارهم، ثم ظهرت في دواوين جمعها العديد من المؤلفين. ويُعَدُّ كتاب «الشعر والشعراء» لابن قتيبة (276 هـ/ 889 م) أقدم نسخة لتراجم الشعراء العذريين. ويلاحظ خيرالله أن «ابن قتيبة يعرض لنا عناصر قصة مجنون ليلى الأساسية التي وُسِّعت في ما بعد وأعيدت روايتها بطرق شتَّى، لكن ابن قتيبة وصف شخصية المجنون بجلاء لا لبس فيه»،42Khairallah, Love, Madness, and Poetry: An Interpretation of the Maǧnūn Legend, 50. وبعد ابن قتيبة بوقت قصير ضمَّن ابن داوود (297 هـ/ 910 م) «كتاب الزهرة» بعض الأخبار المنسوبة إلى الشعراء العذريين، ثم عرض الأصفهاني (356 هـ/ 976 م) في كتابه ذائع الصيت «كتاب الأغاني» العديد من الروايات والأشعار التي نسبها إلى شعراء عذريين كجميل بثينة ومجنون ليلى وقيس لبنى. ويذكر النويري (733 هـ/ 1333 م) الذي يروي العديد من قصص الحب العذري في كتابه الموسوعي «نهاية الأَرَب في فنون الأدب» أن شهداء الحب العذري كانوا أكثر من أن يُحْصَوا.43النويري، «نهاية الأَرَب في فنون الأدب»، ج 2، 184. على أية حال، تظهر روايات الغزل العذري بتفاصيل أكثر أو أقل في العديد من أمهات الكتب التراثية الأخرى مثل «مصارع العشاق» لأبي جعفر السَّرَّاج (500 هـ/ 1106 م)، و«روضة المحبين ونزهة المشتاقين» لابن قيِّم الجوزية (769 هـ/ 1349 م)، و«تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداوود الأنطاكي (1008 هـ/ 1599 م)، و«ذمّ الهوى» لابن الجوزي (597 هـ/1201 م)، و«الواضح المبين في ذكر من استُشهد من المحبين» للمغلطاي (762 هـ/1361 م). وقد شاعت روايات الغزل العذري في بواكير العصر العباسي ووُظِّفت العديد من القصائد العذرية في الغناء والموسيقى.44الحارثي، «المقطوعة الغزلية».
في العصر العباسي في أواخر القرن التاسع الميلادي تحوَّل الشعراء العذريون إلى أبطال قصص حب نالت شعبية واسعة، فمجنون ليلى على نحو خاص استرعى انتباه الباحثين في موضوع الحب، وأُدرجت قصائده في التراجم الشعرية الخاصة بالشعراء العشاق وشهداء الحب. وقد تبنَّى شعراءُ الحضر—من أمثالِ أبي نؤاسٍ والعبَّاسِ بنِ الأحْنَفِ وغيرِهم—العديدَ من المعاني والتيمات العذرية؛ فنظموا غزلهم إما على المذهب العذريّ الخالص، أو بمزيج منه ومن غيره، فجاءَ شعرُهم تارةً عذرياً (كما هي حال قصائد جماعة «الظّرفاء») وتارةً غير عذري. كما تلقّف الصُّوفيةُ هذا الموروثَ العذريَّ، ونَسجوا قصائدَهم على نَهجِهِ ومِنوالِه. وقد جذبت شخصية المجنون المتصوفة لأن ما يعتريه من نشوة يشبه حالات انتشاء المتصوفة.45Dols, Majnun ,321-322. ومن ثَمَّ، وعلى حدِّ تعبيرِ أحدِ الدارسين: «فمن الوجيهِ أن نرى في ظهورِ قصصٍ كقصةِ المجنون—وإن استندت في الأصلِ إلى موروثٍ قائمٍ بالفعل—تدشيناً لموجةٍ رائدةٍ من أدبِ العشقِ، كُتِبَ لها أن تَحظى برواجٍ منقطعِ النظير».46Jayyusi, Umayyad poetry, 421.
خاتمة
في الأدب العربي الحديث ألهمت شخصية المجنون العديد من الشعراء والأدباء، منهم أحمد شوقي في مسرحيته الشعرية «مجنون ليلى» التي صدرت في عام 1933، وباستثناء بضع مشاهد، فإن نسخة القصة كما وردت في «كتاب الأغاني» قد أُعيد إنتاجها في مسرحية شوقي. وفي عام 1996 نشر الشاعر البحريني قاسم حدَّاد ديوانًا شعريًّا بعنوان «أخبار مجنون ليلى» قدَّم فيه قراءة جديدة للحكاية القديمة، وما يسترعي الاهتمام في قراءة حدَّاد هو إثبات العلاقة الجسدية بين العشاق على نحو صريح.
أما في الأدب الفارسي، فيُعامَل حب ليلى والمجنون كضرب من العشق الإلهي. وقد تبنَّى المتصوفة قصة المجنون، فظهر أول استلهام للقصة العربية على يد الشاعر نظامي في قصيدته «ليلى والمجنون» التي كتبها في عام 584 هـ/1188 م. ويلاحظ دولز أن قصيدة نظامي تتميز باتساقها مع الروايات المبكرة للقصة وكذلك بسردها الغني والمفصَّل، والحق أن أسلوب نظامي يتسم بالاستخدام المكثَّف للصور.47Dols, Majnun: the Madman in Medieval Islamic Society, 331. بيد أن الإمكانية الرمزية الكامنة في قصة المجنون العربية تبلغ ذروتها عند الشاعر الصوفي الفارسي الجامي (898 هـ/ 1492 م)، وقصيدته تمثيل للسعي الصوفي مع استخدام مبتكر للقصة.48Khairallah, Love, Madness, and Poetry, 97-133
وقد استلهم الشعراء الأتراك أسطورة المجنون من قصيدة نظامي وبقيت شائعة بينهم حتى العصر الحديث، وأشهر من تناولها الشاعر فضولي (942 هـ/1535-1536 م)،49Dols, Majnun: the Madman in Medieval Islamic Society, 324. وفي أقصى الشرق، احتفى الأدب الأُوردي بالقصة.50يتناول عبد المجيد التطور التاريخيّ لفنّ الغزل، متتبّعًا مسيرتَه من أصوله العربية والفارسية القديمة وصولًا إلى تطويعه الحديث في الأدب الأوردي. ويوضّح الكاتب كيف أعيد توظيف الاستعارات التقليدية لمعالجة اليأس الوجودي، والظلم الاجتماعي، ومظاهر الاغتراب المعاصرة.
Majeed, Abdul. “From Mystical Yearning to Political Consciousness: Kaifi Azmi and Ghazal’s Journey into Social Reality.”
وفي الغرب، استحضر الشاعر الألماني «غوته» شخصيتي «ليلى» و«مجنونها» مرارًا وتكرارًا في ديوانه الشهير «الديوان الشرقي للمؤلّف الغربي». إذ يقول في قصيدته الموسومة بـ«الدعوة»:
لو بعثت ليلى ومجنونلعرفا منّي طريق الحب51يوهان فولفغانغ فون جيته، الديوان الشرقي للمؤلف الغربي، ترجمة عبد الرحمن بدوي، 214.
ويظهر بنو عذرة الذين يموتون في سبيل الحب في الأدب الأوروبي في كتاب «عن الحب» لستاندال، وعند الرومانسيين هاينرِك هاينه في قصيدته (Der Asra) التي حولها كارل لوي عملًا موسيقيًّا.52Jacobi, “ʿUdhrī,” 775.
يُشكّلُ الموروثُ العذريُّ تراثاً غنياً ومتعدد الأبعاد، تاريخياً وشعرياً على حدٍّ سواء. ورغمَ الحضورِ الطاغي لما اصطُلِحَ على تسميتِهِ بـ «الغزل الصريح» في الأدب العربي—والذي يُصوَّرُ فيه الحبُّ بوصفِهِ مغامرةً جسديةً بالدرجة الأولى— فقد بقي الغزل العذريُّ نبعًا لا ينضبُ للإلهام على مرّ العصور، تنهلُ منه أجيالٌ تلو أجيال من الشعراء، والرواة، وفقهاء العشق. وهكذا، تغلغلت الظاهرة العذرية وتجذَّرت في التقاليدِ الأدبية التي صاغَتْ كيانها ورسّخت أركانها المصنّفات العربية الكلاسيكية في العشق.


اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.