مقدمة
تخلو اللغة العربية، في معظم عصورها الأدبية، من مصطلح واحد يدلّ على جنس الحكاية المَثَلية الأدبي الذائع في الآداب الأوروبية منذ العصور القديمة والمصطلح عليه بـ «fable».1المقالة صيغة مختصرة ومحررة من الأقسام التمهيدية في كتاب الحكاية التمثيلية العربية (Marzolph, The Arabic Fable). ولم تحاول الدراسات الجادّة القليلة التي تناولت الحكاية المثلية الحيوانية العربية، كدراسات كارل بروكلمان (Carl Brockelmann) أو إحسان عباس أو روبرت أُوروين (Robert Irwin)، تعريف الحكاية المثلية العربية في ضوء نظيرتها الغربية.2 انظر عباس، ملامح يونانية؛ سلّوم، قصص الحيوان؛ وانظر كذلك:Brockelmann, “Fabel und Tiermärchen”; Irwin, “The Arabic Beast Fable”; van Gelder, “In the Time of al-Fiṭaḥl”. إن وضع حدّ لنوع أدبي لم يحظَ بحدّ واضح قطّ في سياقه التاريخي الأصيل مسألةٌ شائكة. ونجد لما تسمّيه هذه الدراسة بالحكاية المَثَلية العربية (والتي تحيل غالبًا على الحكاية المَثَلية الحيوانية في سياقنا هذا) مدونة نصية أساسية من المرويات النموذجية في الأدب العربي القديم. غير أنّ حدود هذه المدونة، مقارنةً بغيرها من الأنواع الأدبية السردية القصيرة، لا سيما الخبر والمثل بصيغتيه الرمزية التمثيلية (parable) والسائرة (proverb)، تتسم بالسيولة. وإشكال الجنس نفسه مشكل قائم يلازم إشكال البحث في مصطلحات نوعية مخصوصة في اللغة العربية لا بد أن تختلف عن تلك الشائعة الاستخدام في الثقافات الغربية. وحتى إذا سلّمنا بوجود نوع في الأدب العربي القديم يمكن عده نظيرًا للحكاية المَثَلية في الموروثات الأدبية أخرى، يبقى السؤال مطروحًا عمّا إذا كان يصح إطلاق المصطلح النوعي الأوروبي نفسه عليه. فهذا المصطلح، أي «fable»، وليد تراث أدبي بعينه، وينتمي إلى حقل دلالي مخصوص تتردد فيه تصورات قد لا نجدها في سواه. وفوق ذلك، فإن الوجود الموثّق في الأدب العربي القديم لحكايات تلعب أدوارها حيوانات ناطقة مع غياب مصطلح نوعي واحد واضح للدلالة عليها هو تفاوتٌ يثير تساؤلًا حول التصوّرات الكامنة وراء هذه الممارسة. إذ إن إيثار المصطلحات الغربية بوصفها شاملة التطبيق دون مساءلة قد يُفهم على أنه ضرب من الاستعلاء الثقافي. لذلك يتلخّص السؤال الموضوعي فيما إذا كان مؤلفو الأدب العربي القديم قد نظروا إلى المرويات التي تنطق فيها الحيوانات بوصفها نوعًا أدبيًا محدّدًا؛ وإن كان، فهل صاغوا هذا النوع في قوالب مصطلحية، وكيف تم لهم ذلك؟
يبدو التقاطع بين المرويات اليونانية القديمة والمرويات العربية القديمة ذوات الصلة، من حيث الأصول أو القواسم المشتركة، جلياً بدرجة لا تقبل التشكيك الجاد.3لا غنى، في حكايات التقليد اليوناني اللاتيني، عن كتاب أدرادوس (Adrados) تاريخ الحكاية المثلية اليونانية اللاتينية (History of the Graeco-Latin Fable)، الذي شمل الجرد والدراسة؛ وانظر أيضًا:Perry, Babrius and Phaedrus. ويشير العدد المهم من الحكايات المَثَلية «الإيسوبية» (Aesopic) التي ظهرت أوّلًا، أو حتى حصرًا، في الأدب العربي إشارة قوية إلى أن هذا التقاطع لا ينبع من تكييف للمادة الأدبية (adaptation) فحسب، بل يرجع بالأحرى إلى تراث مشترك. وتدين الأمثال الرمزية في الأدب العربي القديم المشتملة على حيوانات ناطقة بمقدار من الفضل للتراث المشرقي القديم؛ تراثِ بلاد الرافدين. ويتجلى ذلك بوضوح في المرويات القصيرة المنسوبة إلى أحيقار أو حَيقار.4انظر:Conybeare, Harris and Lewis, The Story of Aḥiḳar. وإلى جانب هذين الرافدين، ترتبط حكايا الحيوان العربية ارتباطًا بارزًا بالموروثين الأدبيين لإيران والهند القديمتين، حيث حلّ الرافد الهندي على الأدب العربي عبر التراث الإيراني قبل ظهور الإسلام؛ كما ترتبط هذه الحكايا، بدرجة أقل، بالتقليد العبري اليهودي القديم. وفي مقابل هذه الأصول ثمّة تراث قصصي عربي أصيل، يتمثّل في المأثورات البدوية العائدة إلى العصر الجاهلي أو عصر صدر الإسلام. ويتجلّى هذا الموروث ضمنًا، والذي حُفظ جانب من حكاياته المثلية منظومًا،5Marzolph, The Arabic Fable, 18–19. في ملامح محدّدة تعكس طبيعة المجتمع البدوي؛ من حيث القيمة العليا لحقّ الضيافة، والعادات الغذائية، وطائفة الشخصيات الحيوانية الفاعلة في تلك الحكايات. وسيتناول البحث فيما يأتي اقتران لفظ «حكاية»، في دلالته على مرويات بعينها، بعبارة «على ألسنة البهائم»، في دلالتها على الحيوان الناطق، بوصف هذا الاقتران دليلًا على وجود تصور مفاهيمي عربي للحكاية المَثَلية (fable)؛ وهو تصور تضبطه الدراسة لاحقًا عبر سمات أكثر تفصيلًا.
المتن
ترد الحكايات التي تدور على ألسنة الحيوان في الأدب العربي القديم أساسًا ضمن مسارين متمايزين من التراث الأدبي. فما يزيد قليلاً على نصف الحكايات الموثقة حتى الآن، أي نحو مائة وسبعين حكاية من أصل ثلاث مائة وثلاثين، يرد ضمن مصنفات تنتمي إمّا إلى الأدب النخبوي أو إلى الأدب الأوسط،6انظر:Chraïbi, Les mille et une nuits, 15–20. بعض مؤلّفيها معروفون والبعض الآخر مجهول.7Marzolph, The Arabic Fable, 182–278, nos. 161–329. ويمكن إطلاق تسمية الحكايات المَثَلية «في الأدب» أو «المؤلّفة» على هذا الصنف. ومن أشهر المؤلّفات في هذا الصنف كتاب كليلة ودمنة لابن المقفع (ت. 139هـ/757م)، الذي ظهر أواسط القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي،8انظر أحدث الدراسات في هذا:Gruendler and Toral, An Unruly Classic. وسلوان المطاع في عدوان الأتباع لابن ظفر الصقلي (ت. 565هـ/1170م)، الذي ظهر في القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي،9Bellino, “Animal Fables Sulwān al-muṭāʿ”; Bellino, “Between History and Fictionality”. وفاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء لابن عربشاه (ت. 854هـ/1450م)، الذي ظهر في القرن التاسع الهجري/الخامس عشر الميلادي.10Banister, “Squeezing Juice”. وتعد غالبية المرويات ذات الصلة في هذا الصنف من الأدب إما مترجمة عن أو مستقاة من تراث غير عربي: سريانيًا كان كقصة أحيقار، أم يونانيًا كأمثال لقمان الحكيم، أو هنديًا مثل كليلة ودمنة، وقصة جليعاد وشيماس، أو فارسيًا مثل فاكهة الخلفاء. وثمة نصوص أخرى توحي بأنها وُضعت في محاكاة للحكايات المَثَلية «الوافدة» على الأدب العربي، مثل كتاب الصادح والباغم لابن الهبارية، وسلوان المطاع لابن ظفر، وألف ليلة وليلة.11Osigus, “Ein Fabelzyklus in 1001 Nacht”. وقد تطول نصوص هذا الصنف وتتعقد، وتميل لغتها أحيانًا إلى الإسهاب، وتتشبّع بمقصد أخلاقي عملي يطغى عليها.
أما المسار الثاني فيضم سرديات مجهولة المؤلف موثقة حاليًا في مائة وستّين نصًا عربيًا.12Marzolph, The Arabic Fable, 57–181, nos. 1–160. إنّ جلّ هذه الحكايات التي تجري على ألسنة الحيوانات ترد مجرّدة عن قصّة إطار، وتقع متفرّقة؛ إمّا فرادى، وإمّا في مجموعات صغيرة أو في فصول وجيزة ضمن فنون الكتابة المختلفة؛ إذ نراها—فضلًا عن كتب الأدب—شائعة في كتب التواريخ، والسير والتراجم، ومصنّفات اللغة والمعاجم. وتنتسب جلّ هذه المرويات إمّا إلى تراث مشترك بين أهل المشرق وسكّان حوض البحر الأبيض المتوسّط أو واحد منهما، وإمّا أنّ مرجع أصلها إلى اقتباس الحكايات المثلية اليونانية والفارسية وتحويرها في السياق العربي، وإمّا أنّها مستمدّة من أعراف العرب ومأثورات البدو القدامى. وهي تُساق عادة بلغة بسيطة ومباشرة، وتخلو في الغالب من توجيه أخلاقي عملي؛ وهو مقصد كان من الجلاء والوضوح لدى جمهورها إلى حدّ أغنى عن بيانها صراحة. ويرد نحو ثلاثين من هذه المرويات في سياق تاريخي مخصوص لمشافهة أو مكاتبة، حيث جاءت فيها مضرب مثل لحال معيّنة.13Marzolph, “Framed Fables”. وإن هذين المسارين من المرويات—أي: «المصنّف» و«المتفرّق» من الحكايات التي جاءت على ألسنة الحيوانات—مستقلّان أحدهما عن الآخر ولا يكاد يقع بينهما تداخل يذكر. وبعبارة أخرى، لا يُعثر على نصوص أحد هذين المسارين في المسار الآخر، فيما عدا استثناءات قليلة.
وإذا اعتبرنا كثرة أصول هذه المرويات، كان الأولى—عوضًا عن إجمال القول في هذا النوع الأدبي في بعده العربي—أن نفرّق بين «حكايات على ألسنة البهائم في الأدب العربي القديم»، أي كل مروية وُجدت لها صيغة عربية مهما كان أصلها الحقيقي أو المظنون، و«حكايات عربية على ألسنة البهائم» بمعنى أدقّ؛ إذ يقتصر المصطلح الثاني حصرًا على المرويات التي يقوى الظنّ بأنّها عربية الأصل. ففي حين أنّ نسبة المرويات «المصنّفة» إلى مواريث أدبية أعجمية شتى بيّنة، فإنّ جلّ المرويات «المتفرّقة» مقصور على مأثورات العرب في القديم. ومن ثَمّ ينصرف النظر في هذه الدراسة أوّلًا إلى هذه المرويات «المتفرّقة»؛ أي تلك المرويات التي ثبتت خارج الجوامع الأدبية والمصنّفات المؤلّفة، واستقلّت عنها.
التحليل الاصطلاحي والدلالات التاريخية
مفهوم الحكايات على ألسنة الحيوانات في التقليد العربي
إنّ لفظ «مثل» في العربية لفظ يعتريه الالتباس وتتعدّد أوجهه؛ وهو الذي كثيرًا ما يُستفتح به الكلام في المرويات المجهولة النسبة كما في المصنّفات المؤلّفة عند إيراد الحكايات الرمزية الجارية على ألسنة البهائم. ويقع لفظ «مثل» في الاصطلاح الأدبي على المعنى الكلي لمصطلح «المثل الرمزي (parable)» وينصرف كذلك على «المثل السائر (proverb)»، كما يشمل التراكيب والجمل الاصطلاحية. وفي كلّ تقدير، فإنّ لفظ «مثل» موصول بالغرض الوظيفي لهذه المرويات؛ فالمثل وصف للحال على وجه القياس. ولا يتعين معنى «الحكاية المَثَلية (fable)» المقصود هنا إلا إذا جاء اللفظ متلوًا بأسماء الحيوانات، كما في عبارة «مثلُ الذئب والثعلب».
وتوثّق نصوص الأدب العربي القديم توثيقًا مستفيضًا معرفة أهل ذلك العصر بهذا النوع وتوظيفهم له. فمنذ أن نقل ابن المقفّع كليلة ودمنة إلى العربية، ما فتئ مؤلّفو المجاميع الأدبية بين مستفهم منكر ومسوّغ معلّل لإيراد أحاديث البهائم جلية الاختلاق (fictitious) في معرض الجدّ؛ وهو نقاش يتّصل في مواضع أخرى اتّصالًا وثيقًا بفن «المقامات».14انظر:Bonebakker, “Some Medieval Views”; Drory, “Three Attempts”; Bonebakker, “Nihil obstat in storytelling?” واحتج القائلون بجواز إيراد أحاديث البهائم أنّ الاختلاق أو التخييل في هذه الحال وُضع لخدمة مقصد أسمى، هو الإفهام بطريق التلويح، وأنّه لا ولن يحمل أحد هذه الوقائع على محمل الجد فيظنّ أنّها وقعت حقيقة. وقد سوّغ ابن المقفّع، صاحب كتاب كليلة ودمنة المصنّف من بين كتب «مرايا الملوك»—وهو كتاب نُقل في جلّه عن الصيغة الفهلوية منه التي كانت اقتباسًا وتحويرًا لكتاب «البانشاتانترا» ذي الأصل السنسكريتي مع بعض الحكايات من كتاب «المهابهاراتا»—اتّخاذ أحاديث البهائم حججًا وشواهد استدلالية في معرض الجد من الكلام، كما في الشاهد أدناه. وتشير الحصيلة المتوفّرة اليوم من النصوص العربية ذات الصلة إلى أن نصوصًا مماثلة لكليلة ودمنة في جوهرها كانت معروفة في العصر الجاهلي وعصر صدر الإسلام، قبل عهد ابن المقفّع، وترد في الموروث الأدبي العربي العائد للعصرين. ويشهد لذلك ما جاء منظومًا من هذه المرويات في أشعار المتقدّمين؛ كالنابغة الذبياني (ت. 604م)، وأمية بن أبي الصلت (ت. نحو 630م)، ويزيد بن مُفرّغ الحميري (ت. نحو 688م)، وغيرهم.15انظر:Marzolph, The Arabic Fable, 18–19. وليست ندرة توثيقها قبل كتاب كليلة ودمنة بما يشي بعدم وجودها، فالأصل أنّ عدم الدليل لا يلزم منه دليل العدم. وثمة حجّة إضافية تفسَّر هذه الفجوة التوثيقية، حيث ترجعها في جلّها إلى أنّ التقييد والتدوين عند العرب لم ينشأ ويتطوّر إلّا مع ظهور الإسلام. إذ كان المأثور العربي قبل القرن الأول الهجري/السابع الميلادي شفهيًا في معظمه، ولذلك كان عرضة للتغير والنسيان. أما ما حقّقه ابن المقفّع على وجه اليقين، فهو أنّه أدخل على أهل العربية عددًا وافرًا من الحكايات الرمزية التي لم يكن لهم بها عهد من قبل—وهي التي ينتهي نسبها في منتهى الأمر إلى المأثورات الأدبية الهندية. ثم إنّ ابن المقفّع صيّر ضرب الأمثال بأحاديث البهائم في سياق الاحتجاج، بما أقامه من حجة مقنعة على ما في تلك الحكايات من جليل النفع التأديبي التهذيبي، أمرًا مقبولًا عقلًا وعرفًا في آداب العرب والمسلمين وبيئاتهم. ومن هذا الوجه، يصعب الإفراط في تقدير أهمّية أثر كتابه. وأمّا عن تصوّره للمرويات ذات الصلة بمبحثنا هذا، فيقول ابن المقفّع ما نصّه:
ولم تزل العلماء من كل أمة، وأهل كل لسان، يلتمسون أن يُعقل عنهم، ويحتالون لذلك بصنوف الحيل، ويبتغون في إخراج ما عندهم من العلل، حتى كان من تلك العلل وضعُ بليغ الكلام ومنمقه على أفواه البهائم والطير؛ فاجتمع لهم بذلك خلال: أما هم فوجدوا منصرفًا في القول وشعابًا.16ابن المقفّع، كليلة ودمنة (تحقيق فيشباين، ترجمة فيشباين، ومونتغمري)، ص 22.
ولعلّ ابن المقفّع عرّف هذا الفنّ لأولّ مرّة في الأدب العربي بقوله: «وضع … على أفواه البهائم والطير». فالعبارة تعني، على ظاهر لفظها، وضع الكلام في أفواه البهائم والطير؛ ويجوز فهمها كذلك بمعنى نسبة القول إلى بهائم وطيور ناطقة. وقد لقيت هذه العبارة الوصفية، اللافتة على بساطتها، قبولًا عامًا لدى مؤلّفي القرون التالية، فأطلقوها اصطلاحًا على حكايات مماثلة، مع تغيير يسير في لفظها. وللإحاطة بتعقيد مبحث هذا المقال، تعرض وجهة النظر الآتي ذكرها تصوّر المؤلّفين العرب في القديم عرضًا مفصّلًا، ابتغاء فهم يراعي دقائق المسألة لا تفضيل فيه للمفاهيم الغربية. ويتّبع هذا الفحص مقاربة استقرائية، متّخذًا من هذا التعريف التقلّلي منطلقًا. حيث يقوم في أساسه على جرد مائة وستّين حكاية متفرّقة تقوم بأطوارها حيوانات ناطقة، وُثّقت في أكثر من ألف شاهد منفصل. ومع أنّ المؤلّفين العرب في القديم لم يعمدوا إلى جمع هذه الحكايات المتفرّقة في مصنّفات تستوعبها، فإنّ طائفة من كتب الأدب تضمّ مجموعات منها أو تفرد لها أبوابًا، تحمل في الغالب عناوين مميّزة.
وأقدم هذه الأبواب باب في كتاب الأجوبة المسكتة لابن أبي عون (ت. 322هـ/934م)،17ابن أبي عون، الأجوبة المسكتة (تحقيق يوسف)، ص 126–127. وعنوانه «من أمثال اليونانيين»؛ والعنوان فيه تصريح بالأصل الذي نُسبت إليه المرويات الواردة فيه. ومن أوسع الأبواب التي جُمعت فيها الحكايات على ألسنة الحيوانات في الأدب العربي القديم باب في كتاب محاضرات الأدباء للراغب الأصفهاني (ت. قبيل 401هـ/1010م).18الراغب الأصفهاني، محاضرات الأدباء (تحقيق الطباع)، ج 2، ص 750–753. ويضمّ هذا الباب أكثر من عشرين نصًا، ويحمل عنوانًا عامًا نسبيًا، هو «حكايات عن البهائم». ثم يأتي، حسب الترتيب الزمني، الباب الرابع عشر من الجزء السابع والأخير من كتاب نثر الدر للآبي (ت. 421هـ/1030م)، وهو جامع موسوعي للنوادر،19الآبي، نثر الدر (تحقيق محفوظ)، ج 7، ص 145–147. وعنوان الباب «أمثال ونوادر على لسان البهائم». والمراد بالعبارة البهائم الناطقة، أو على وجه أدقّ، حيوانات تُنسب إليها ملكة الكلام في سياق سردي متخيّل أو مختلق (fictional). ولمّا كان الكلام يُعدّ في العادة من خصائص الإنسان وحده، فإنّ نسبته إلى الحيوان لا تقتصر على اتّخاذ اللغة وسيلة للإفهام، بل تقتضي ما وراءها من تفكير، وقصد إلى الاحتجاج، وما يترتّب على ذلك من أفعال. وعليه، يجوز فهم «الحكايات على ألسنة الحيوانات» بوصفها مرويات تفكّر فيها الحيوانات أو تتكلّم أو تتصرّف كما يفعل البشر، وقد تجمع بين هذه الأفعال. ومن ثمّ يضرب المصنّفون الذين يوردون هذه الحكايات أمثالًا للسلوك الإنساني، بأن ينسبوه إلى الحيوان. وفي الباب الثاني والعشرين من كتاب الأزمنة والأمكنة للمرزوقي (ت. 421هـ/1030م)، الذي عاصر الآبي، فصل عنوانه «فيما وُضع على ألسنة البهائم».20المرزوقي، الأزمنة والأمكنة (ط. دار الكتب العلمية)، ص 269–270. ولعلّ إيراد القصص التي تدخل فيها البهائم الناطقة في هذا الباب راجع إلى أنّ هذه الحيوانات (وجلّها من الحيوانات الأليفة أو المدجّنة) تصف فيه حالها مع البرد، ولا سيّما أفعالها في ليلة قارسة البرد. ومجمل ما أورده المرزوقي ضرب من الرياضة الذهنية؛ أي حكايات تتحدّث فيها الحيوانات عن صفاتها بألفاظ نادرة. وفي كتاب جمع الجواهر للحصري القيرواني (ت. 453هـ/1061م) فصل عنوانه «نوادر تحكى عن غير الناس»،21الحصري القيرواني، جمع الجواهر (تحقيق البجاوي)، ص 138–139. حيث تنفرد الحيوانات الناطقة بأحداث ثمانية من نصوصه التسعة؛ ومن هذه الحكايات ما هو معروف في الموروث اليوناني اللاتيني، ومنها ما لا يرد فيه. ويفسّر النصّ الأوّل خصوصية صياغة العنوان؛ إذ يظهر فيه إبليس وقد سُئل عن خبرته بالمتعلّمين. ولم يترك هذا العنوان أثرًا يُذكر في الاصطلاح الذي قرّ لهذا الفنّ من المرويات، وإن كانت عبارة «غير الناس» تصلح حدّا جامعًا لما تتنوّع به شخصيات هذه المرويات من حيوان وغيره. وأورد ابن حمدون (ت. 562هـ/1167م) في كتاب التذكرة الحمدونية ثلاثة أبواب قصيرة نسبيًا من حكايا الحيوان.22ابن حمدون، التذكرة الحمدونية (تحقيق عباس، وعباس)، ج 3، ص 141–142؛ ج 7، ص 221–222، وص 250–251. وعنوان أوّل الأبواب هو: «مما وضع على لسان الحيوان»، ولا يختلف عنه عنوانا البابين التاليين إلّا بإحلال لفظ «البهائم» محلّ «الحيوان»؛ فجاء مدار العبارات الثلاث على ما يُنسب من القول إلى حيوانات أو بهائم ناطقة. ولجميع الحكايات التي أوردها ابن حمدون شواهد في مصادر متقدّمة عليه، منها ما يُنسب إلى الموروث اليوناني أو المتوسّطي المشترك، ومنها ما يُنسب إلى الموروث العربي. وفي كتاب أخبار الأذكياء لابن الجوزي (ت. 597هـ/1201م) بابان يتّصلان بمبحثنا هذا. فعنوان الباب الثاني والثلاثين هو: «فيما ذُكر عن الحيوان البهيم مما يشبه كلام الآدميين».23ابن الجوزي، أخبار الأذكياء (تحقيق الرفاعي)، الباب 32، ص 231–240. وتتناول حكايات هذا الباب أفعالًا لافتة للحيوان، كفطنة الكلاب الأليفة ومعونتها للإنسان بلا شرط؛ وهي أفعال توحي بتجاوز ما يُعهد من فعل الحيوان، ولا يلزم أن تُعدّ حكايات مَثَلية بحسب التعريف التقلّلي الذي أخذنا به. وأمّا الباب الثالث والثلاثون من الكتاب نفسه فعنوانه «في ذكر ما ضربته العرب الحكماء مثلًا على ألسنة الحيوان البهيم مما يدل على الذكاء».24ابن الجوزي، أخبار الأذكياء (تحقيق الرفاعي)، الباب 33، ص 241–245. ولهذا العنوان دلالة من وجوه عدّة. فهو ينسب هذه المرويات، أوّلًا، إلى مأثورات العرب في القديم تصريحًا؛ ويقرّر، ثانيًا، مطابقة مباشرة بين «المثل»—بمعنى المثل الرمزي (parable) هنا—والحكاية على لسان الحيوان؛ ويلفت، ثالثًا، إلى أنّ المؤلّف أثبت للحيوان فطنة وذكاء، مع أنّ طابع هذه الحكايات المتخيّل أو المختلق (fictional) لا بدّ أن يكون قد اتّضح له. ويبدو أنّ المصنّفات التي تفرد أبوابًا لقصص الحيوان تغيب في القرون التي تلت هذه الفترة من التصنيف. ولا تعود هذه الأبواب إلى الظهور إلّا في مؤلّفات ظهرت في أواخر العصر العثماني، إبّان القرن الثاني عشر الهجري/الثامن عشر الميلادي. وتتقارب عناوين الأبواب في هذه المصنّفات تقاربًا شديدًا، وتتداخل محتوياتها تداخلًا بيّنًا.25انظر:Marzolph, “Fluid Fables”. فمن ذلك الباب السابع والعشرون من كتاب نزهة الأدباء، وعنوانه المسجوع «فيما جاء من الأمثال الحسان على ألسنة الحيوان»؛26نسخة مكتبة إرفورت/غوتا الجامعية والبحثية بقصر فريدنشتاين، رقم الحفظ Orient. A 2706 (نزهة الأدباء)، الأوراق 109و–116و. وباب غير مرقّم في مجموع مجهول المؤلّف والتاريخ يوجد متنه في مخطوط إسطنبول آيا صوفيا، رقم 2938، عنوانه نوادر على ألسنة الطيور والوحوش؛27Rosenthal, “Small Collection of Aesopic Fables”. والباب الثاني من كتاب بغية الجليس للحفناوي، وقد سمّاه «فيما جاء من النوادر والأمثال على ألسنة الحيوان»؛28نسخة المكتبة الوطنية الفرنسية، رقم الحفظ Arabe 3448 (الحفناوي، بغية الجليس)، الأوراق 143ظ–148و. والباب الثالث عشر من كتاب زبد الأدباء للستيوي، وعنوانه «في الأمثلة الحسان الواردة على ألسنة الحيوان».29المكتبة الوطنية الفرنسية، رقم الحفظ Arabe 3579–3580، ق 128ظ–133ظ.
ولا تقتصر هذه العبارات على عناوين الأبواب؛ بل ترد، بألفاظ متقاربة وإن تنوّعت، لتصنيف مرويات مفردة أو مجموعات صغيرة من قصص الحيوان.30انظر:Marzolph, The Arabic Fable, 12–17. وتدلّ هذه الصيغ مجتمعة على أنّ أشيع ما جرى به الاصطلاح عبر القرون لما أقترح تسميته «الحكاية المَثَلية العربية» يمكن ردّه إلى العبارة الآتية، مع اختلاف ألفاظها: «على/عن لسان/ألسنة/ألسن البهائم/الحيوان/الحيوانات». وإلى جانب هذا الاصطلاح الشائع، ترد في المصادر عبارات قليلة تخصّ كائنات بعينها دون عموم الحيوان أو البهائم. فإلى جانب التصريح بالحجلة والذئب والحيّة، ترد أسماء جامعة هي الأحناش؛ أي الحيّات، والهوام من صغار الدوابّ والزواحف، والطير، والعجماوات من البهائم التي لا تنطق، والجماد أو الجمادات من الأجسام التي لا حياة فيها.
خصائص الحكاية المثلية العربية ونماذج منها
ويختصّ الموروث العربي بنحو ثلثي الحكايات المئة والستين المتفرّقة التي وُثّقت حتى الآن، والتي تقوم بأدوارها حيوانات؛ إذ إنّ أقدم شواهدها المعروفة اليوم، بل جميع شواهد بعضها، وردت في الأدب العربي. ويصحّ من ثمّ عدّ هذه المرويات من صميم الموروث العربي.31انظر:Marzolph, The Arabic Fable, 29–32. وينطبق ذلك بوجه خاص على أقدم طبقات المرويات المتفرّقة؛ أي ما وردت شواهده الأولى في القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي وأوائل القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي. ولهذه المرويات جملة من السمات المميّزة. حيث إنّ أخصّ ما يظهر في الحكايات المَثَلية العربية من الحيوان الضبّ والضبع. ففي الموروث الشعبي، يظهر الضبّ حاكمًا بين الحيوانات أو فاصلًا في خصوماتها. أمّا الضبع فيظهر غاية في الشره والحمق. وتنتمي الحيوانات في هذه المرويات العربية، في الجملة، إلى بيئة ريفية تعكس شظف حياة البدو، مزارعين قارّين كانوا أم رعاة رحّلًا. وكان المزارعون والرحّل جميعًا يربّون الدجاج والضأن والماعز في المقام الأوّل، وهي من صغار الحيوان الداجن، ويربّون الإبل كذلك. ومن أبرز موضوعات هذه المرويات ما لا ينقطع من الصراع على البقاء. ومع أنّ كثيرًا من حيوانات هذه المرويات معروف في الموروث اليوناني اللاتيني، وفي طليعته الثعلب والأسد، فإنّ المرويات العربية تُظهر حيوانات مألوفة في البوادي القاحلة، كالخنفساء، والوبر، والقطا، والعقرب. وإلى جانب الضبّ، الذي يرجّح أنّه كان من طعام البدو، كان الظبي والأرنب البرّي من الطرائد التي تُصاد. وتجري الحكاية المَثَلية العربية، في الغالب، في بيئة ريفية؛ ولا تذكر فيها الأبنية، بما يدلّ على مواضع الاستقرار الدائم، إلّا في حكايات معدودة.
وفي كثير من هذه الحكايات المَثَلية العربية لطف من الفكاهة. والحكايات الثلاث الآتية نماذج نموذجية لهذا، ثبت ورودها في الأدب العربي بحلول القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي.
وهي [أي: الضبع] التي أبصرت الظبية على حمار، فقالت: أردفيني، فأردفتها. فقالت: ما أفره حمارك! ثمّ سارت يسيرًا، فقالت: ما أفره حمارنا! فقالت لها الظبية: انزلي قبل أن تقولي: ما أفره حماري! فأنزلتها.32مؤرج السدوسي، الأمثال (تحقيق عبد التواب)، ص 47.
زعموا أن البازي قال للديك: ما في الأرض شيء أقل وفاءً منك. قال: وكيف؟ قال: أخذك أهلك بيضةً فحضنوك، ثم خرجت على أيديهم فأطعموك على أكفهم، ونشأت بينهم، حتى إذا كبرت صرت لا يدنو منك أحد إلّا طرت هاهنا وهاهنا وضججت وصحت. وأُخذتُ أنا من الجبال مسنًّا، فعلّموني وألّفوني، ثمّ يُخلّى عني فآخذ صيدي في الهواء، فأجيء به إلى صاحبي. فقال له الديك: إنّك لو رأيت من البزاة في سفافيدهم مثل ما رأيت من الديوك، لكنت أنفر مني.33الجاحظ، الحيوان (ط. دار الكتب العلمية)، ج 2، ص 442، رقم 547.
قيل للحمار: لِمَ لا تجترّ؟ قال: أكره مضغ الباطل.34أبو بكر الدينوري، المجالسة (تحقيق آل سلمان)، ج 7، ص 77.
خاتمة
وعليه، فإنّ هذه الدراسة، بناءً على استقراء شامل للمصادر العربية القديمة، تُعرّف النظير العربي للحكاية المَثَلية في الموروث اليوناني اللاتيني بوصفه نصاً سردياً، حكاية كان، أو حديثًا، أو نادرة، أو رمزًا، تنهض بأحداثه بهائم أو حيوانات ناطقة، وتأتي مروية على ألسنتها (في صيغة: على ألسنة/ألسن/لسان البهائم/الحيوانات، أو ما يعادلها من صيغ). فما يوصف بهذه العبارة أو بما يشبهها مرويات سُحبت فيها صفات البشر على كائنات من غيرهم، ليست لها في العادة قدرة على التفكير أو الكلام أو التصرّف كما يفعل الإنسان.35في تقدّم التفكير على الكلام، انظر المناقشة المهمة عند:Ghersetti, “Des animaux parlants”. وينصرف هذا التعريف في المقام الأوّل إلى مرويات قصيرة نسبيًا في العادة، تجري نثرًا أو، في النادر، نظمًا؛ تقرّر فيها الكائنات غير البشرية معنى، أو تسدي نصحًا، أو تعبّر عن مشاعر تُعدّ في العادة من خصائص الإنسان وحده، ويأتي ذلك قولًا في الأساس أو فعلًا كذلك. إنّ هذه الكائنات في العادة حيوانات، وجلّها من الثدييات؛ فأبرز اللواحم الثعلب والذئب والضبع، ومن العواشب الظبي وطائفة من الدوابّ المدجّنة، كالحمار والجمل والضأن. وترد في هذه المرويات كذلك الطيور والزواحف والحشرات وغيرها من صغار الأحياء، ومنها العنكبيات، كالعقرب والعنكبوت. وأمّا ما يقوم بالفعل في هذه الحكايات من غير الحيوان فنادر، ويدخل فيه النبات والجماد والظواهر الطبيعية والأجرام السماوية.36انظر:Marzolph, The Arabic Fable, 98–99, no. 36: The Two Palm Trees; 155, no. 111: The Pumpkin Plant and the Pine Tree; 129–130, no. 71: The Waterskin as Floating Aid; 154–155, no. 110: The Wall and the Peg; 164–165, no. 127: The Goat and the Waterskin; 97–98, no. 33: The South Wind and the North Wind; 148–149, no. 100: Canopus and Venus. ويدخل في هذا الصنف، بحسب تصوّر المؤلّفين العرب في القديم، ما تتحدّث فيه الحيوانات عن صفاتها بألفاظ نادرة، وما يعلّل من الحكايات منشأ الصفات التي يختصّ بها كلّ حيوان.37انظر:van Gelder, “In the Time of al-Fiṭaḥl”. ويبدو أنّ هذا الجنس الأدبي يشمل كذلك، ولا سيّما في مصنّفات العصور المتأخّرة من الأدب العربي القديم، حكايات يحمل فيها الناس فعل الحيوان على أنّه تعبير عن ملكات ذهنية يُفترض أنّها من خصائص الإنسان وحده. وكثيرًا ما تتناول هذه المرويات تقلّبات حياة الحيوان ونقائصها، وكذا حياة الإنسان ونقائصها بالقياس، على محمل من الفكاهة. وكثيرًا ما تُساق الحكاية على ألسنة البهائم عن قصد، بوصفها تشبيهًا أو مثلًا رمزيًا، لتلقين عبرة أخلاقية يتعدّى حكمها تلك الواقعة بعينها؛ وإن لم يكن ذلك هو الغالب. فتكون المرويّة في هذه الحالات، وربما على وجه العموم، ضربًا من المثل الرمزي.
وقد ألهمت مرويات عربية عدّة مؤلّفين أوروبيين في العصور الوسطى اقتباسها وتحويرها في صيغ لاتينية، وفي مقدّمتهم الكاتب الإنجليزي أودو من شريتون (Odo of Cheriton) (ت. 1246/47م)، الذي أمضى سنوات عدّة يدرّس في جامعات إسبانيا.38Marzolph, “Reading Odo of Cheriton’s”. غير أنّ الدراسات الحديثة تغفل، إلى حدّ بعيد، البعد العربي للمرويات التي اقتبسها أودو، وتأخذها إجمالًا على أنّها حكايات مثَلية تنتمي إلى «الموروث الإيسوبي».39Perry, Babrius and Phaedrus. وفي هذا الاستحواذ إغفال لما انفرد به الموروث العربي من إسهام إبداعي، فليس في إلحاق الحكايات المثلية العربية الأصل بالموروث الغربي المهيمن نظر ناقد. وهنا يبقى على الدراسات المقبلة أن تنصف هذا الإسهام التاريخي، بالنظر في أثر المرويات العربية في الموروث القصصي العالمي.


اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.