المبرد

أحيل إليه في

الاستدلال البلاغي
ملخّص

ينطلق المقال عن الاستدلال البلاغيّ من باب الاستدلال الذي وضعه السكاّكي في كتابه “مفتاح العلوم”. فلئن حدّد السكّاكي موضوع كتابه منذ المقدّمة بأنّه يتناول “علم الأدب” واهتمّ القدامى بصفة تكاد تكون حصريّة بباب البلاغة فيه تلخيصا وشرحا فإنّ وجود باب للاستدلال داخله يثير إشكالات مهمّة في فهم البلاغة العربيّة عموما من حيث مفاهيمها المؤسّسة وآليّات اشتغالها والتصوّر العام لها.
وعلى الرغم من وجود مَنْ اعتبر ذلك وجها من وجوه تأثير المنطق الأرسطي في البلاغة العربيّة ومَنْ عدّه “تحنيطا” و”تجميدا” للبلاغة بوصفها أداة لتحليل البعد الجمالي في الأدب، فإنّنا نذهب إلى فهم آخر يناسب أكثر طريقة تفكير السكّاكي في مسائل البلاغة، ويلائم، في الآن نفسه، طريقة البلاغيّين العرب الذين ساروا في الاتجاه النحويّ البلاغيّ الذي اختطّه عبد القاهر الجرجاني في “دلائل الإعجاز” بالخصوص. وهو الاتجاه الذي ساد بعد الجرجاني والسكّاكي واستقرّ مدرسيّا إلى اليوم لأسباب تحتاج بدورها إلى تفهّم.
وافتراضنا الأساسيّ في هذا المقال أنّ السكّاكي قد رفض، بإدراج باب في الاستدلال في كتابه الأدبيّ – البلاغيّ، التمييزَ بين ما نسمّيه اليوم “منطقا صناعيّا” مقابل “المنطق الطبيعيّ” وقدّم تصوّرا مميّزا في معالجة العلاقة بينهما داخل البلاغة نفسها. والأرجح أنّه كان بذلك يواصل بوضوح نظريّ أكبر اتجاها لغويّا ناقش فيه النحاةُ والبلاغيّون أهل المنطق حول الأقوال وكيفيّة فهمها.
ونسعى في هذا البحث إلى الإجابة عن بعض التساؤلات الأساسيّة من قبيل كيف ربط السكّاكي بين مفهوم الاستدلال ومباحث علمي المعاني والبيان؟ وماهي المفاهيم التي استخدمها في هذا الربط (كالملازمات بين المعاني وآليّة الاستلزام ونظم الدليل… إلخ)؟ وما هي هندسة التحليل والتأويل البلاغيّين؟ وكيف نربط توجّهه هذا في النظر إلى الاستدلال بتحليل عبد القاهر الجرجاني قبله لمفهوم “معنى المعنى” وتحليل شرّاح “تلخيص المفتاح” بعده لخصائص اللزوم عموما واللزوم البلاغي خصوصا؟
ويبرز المقال العلاقات الداخليّة بين أبواب كتاب “مفتاح العلوم” ومنزلة الاستدلال فيه والخطّ العام للتصوّر الذي دافع عنه واكتمل تقريبا مع اشتغال شرّاح التلخيص على الظاهرة البلاغيّة.

Version1.0
اللف والنشر
مقالات ذات صلة بالموضوع
نشر هذا المقال في٠١‏/١٠‏/٢٠٢٦
ملخّص

اللف والنشر من المحسنات البلاغية في البلاغة العربية، وهو أسلوب بلاغي يتضمن ذكر عدة أشياء متقابلة. والمعنى الحرفي لكلمتي «اللفّ» و«النشر» هو «جمع عناصر متعددة وطيّها»، ومن ثم «بسطُها ونشرُها»، ويكون ذلك في صورة تطوى فيها عدة عناصر ثم يفصل فيها بعد ذلك بالشرح أو بإسناد كل عنصر إلى ما يليق به. وقد كان السكاكي أول من قدم تعريفا منهجيا لهذا الأسلوب باعتباره محسنا معنويا بديعيا يتعين فيه على السامع أن يستنبط العلاقة الصحيحة بين كل عنصر والعنصر الذي يقابله.

ولأن اللف والنشر يَرِدُ كثيرا في الخطاب القرآني والشعر العربي، فإنه يحتل مكانة محورية في النظرية البلاغية العربية. وقد وضع القزويني أشهر تقسيماته، حيث قسمه إلى لفٍ ونشرٍ مفصلٍ ومجملٍ يتفرّع كلًّ منهما إلى تقسيماتٍ أخرى طبقا لترتيب العناصر. ومن جَاء بعدَه من البلاغيين فصّلوا في هذه التقسيماتِ وناقشوا الحالاتِ الاستثنائيةَ منها، وخاصةً في كتبِ التفسير.

ومن ناحيةٍ تاريخيةٍ، فإن الاستعمالَ الوظيفي للفّ والنشرِ يسبقُ تسميتهُ الاصطلاحية، إذ يظهرُ ضمناً في تآليف النحويين واللغويين كالمبرَّد وابن جنيّ. ويظهِر التقعيدُ النظري له جهودَ المفسرين في بيان ما استغلق من دلالات القرآن، وهو ما حدد معالم علاقته مع أسلوب التفسير في البلاغة العربية الذي كان سابقاً له. فكلا الأسلوبين ينتقلان من الإجمال إلى التفصيل، حيث إن التفسيرَ يركّزُ على إيضاح قصدِ المتكلم وشرح المعنى في حين أن اللفّ والنشر مَنُوطٌ بفهم المتلقي الذي يقع على عاتقه أن يرُدَّ إلى كل عنصرٍ من العناصرِ المذكورةِ ما له في ترتيبٍ مُحكَم.

وقد تجاوزَ هذا المحسّنُ البلاغي بعد ذلك حدودَ البلاغية العربية، فانتقل إلى التقاليد البلاغية الفارسية والعثمانية في تَجَلٍّ لامتداد التراث البلاغي الإسلامي عبر لغاتٍ وثقافاتٍ متعددة. كما أشارت الدراسات المقارنة إلى بعض أوجُه التشابه بين اللفّ والنشرِ وبعض الأشكال الشعرية القائمة على التقابل في الأدب الأوروبي. وبذلك فإن اللف والنشر يجسد كيف تتضافر عناصر الترتيب والتناظر ومشاركة المتلقي في إنتاج التعقيد الجمالي الذي يميز الشعرية العربية الكلاسيكية.

Version1.0