مقدمة
تأتي دلالة لفظ «الأدب» في اللغة العربية المعاصرة مقترنة بالإنتاج الأدبي بمفهومه الفني المرتبط بالآداب الجميلة (belles-lettres)، وإن ظلّ محتفظًا بدلالته على حسن السلوك وآداب المعاملة.1 Bonebakker, “Adab and the Concept of Belles-Lettres,” 16; Guth, “Politeness, Höflichkeit, ʾadab,” Mayeur-Jaouen (2020), “Introduction,” 2. وما دلالته على «الآداب الجميلة» إلا ثمرة تطور تاريخي دُمج فيه المفهوم الكلاسيكي للحكمة العملية وسعة المعرفة في مسلك معرفي مستحدث قوامه قراءة النصوص وتصنيفها؛2 Allan, In the Shadow of World Literature, chapter 4. فغدا الأدب في العصر الحديث معبّرًا عن دلالة تقوم على تصور جديد للعلاقة بين النص والواقع.3 Al-Bagdadi, Vorgestellte Öffentlichkeit, 38–50. وبذلك اكتسب معناه الحديث المعبّر عن المفهوم الغربي «literature». ولنا أن نقول إنه لم يتبلور بوصفه دالًا على نصوص كاملة وأجناس أدبية برمتها إلا في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر.4انظر مدخل بطرس حلاق الموسوعي «الأدب: الاستعمال الحديث» (Adab e) Modern Usage). ولخلاصة موجزة لأبرز التحولات الدلالية للمصطلح، انظر دراسة عباس المناصرة «مصطلح الأدب عند العرب». وقد درج الباحثون على ردّ بعض ملامح الأدب، سواء أُريد به الآداب الرفيعة أم ما يسمى «كتابات الأدب»، إلى طور التكوين من تاريخ الأدب العربي؛ فعدّوا ابن المقفّع والجاحظ رائدين للأدب الكلاسيكي، وهي المرحلة التي استُعمل فيها هذا اللفظ للدلالة على سلوك مخصوص يتصل بحقل معرفي أو مهنة بعينها.5ومن أمثلة ذلك كتاب ابن قتيبة «أدب الكاتب». ويستعرض هارتموت فندريش (Hartmut Fähndrich)، في مقاله «مفهوم الأدب وتجلياته الأدبية» (Der Begriff ‘adab’ und sein literarischer Niederschlag)، المعنى المبكر للمصطلح إجمالًا. وقد انطلقت دراسات تأسيسية كثيرة من عدّ «الأدب» جنسًا أدبيًا، أو من ربطه بالكتابة والثقافة الكتابية، ثم جاءت دراسات أخرى فراجعت هذا التصور ونقّحته؛ ومن ذلك دراسة شارل بيلا (Charles Pellat) الموسوعية «الأدب في الأدب العربي» (ADAB ii. Adab in Arabic Literature)، ومقاله «تنويعات على موضوع الأدب» (Variations sur le thème de l’adab)، ص ٢١ وما بعدها. وقرأ شوكت توراوا (Shawkat Toorawa)، في كتابه «ابن أبي طاهر طيفور والثقافة الكتابية العربية» (Ibn Abī Ṭāhir Ṭayfūr and Arabic Writerly Culture)، الأدب في ضوء ثقافة الكتابة، في حين جعلت فدوى مالطي-دوغلاس (Fedwa Malti-Douglas)، في دراستها «اللعب بالمقدّس» (Playing with the Sacred)، بعض تجلياته «أدبًا سرديًا» في مقابل المجال الديني المقدّس، ص ٥٢. وفي نقد مصطلح «أدب الأدب» (adab literature)، انظر دراسة سيغر بونباكر (Seeger Bonebakker) «الأدب ومفهوم الأدب الجميل» (Adab and the Concept of Belles-Lettres)، ص ٢٩ وما بعدها. أما الكتاب الجماعي «الأدب المستعاد دومًا» (L’adab toujours recommencé)، من تحرير كاترين مايور-جاوين (Catherine Mayeur-Jaouen) وآخرين، فيتبنّى مصطلح «أدب الأدب» (adab literature). وأما القول بأن «الأدب» بمعناه الغربي الحديث (literature) كان من صميم دلالة المصطلح منذ نشأته، فانظر مايور-جاوين في مقدمتها للكتاب، ص ٢٠–٢٢، ٢٩ (وانظر الحاشية ١٥ أدناه). بيد أن اقتران الأدب صراحةً بالكلام والكتابة واللغة لم يتحقق، في مجمله، إلا في مرحلة لاحقة.6سبق أن قرّر ذلك كارلو ألفونسو نالّينو (Carlo-Alfonso Nallino) في كتابه «الأدب العربي من نشأته إلى عصر الدولة الأموية» (La littérature arabe des origines à l’époque de la dynastie umayyade)، وهو كتاب يضم محاضرات ألقاها بالعربية في جامعة القاهرة. وفي هذا الصدد، يركز فولفهارت هاينريش (Wolfhart Heinrichs) بوجه خاص على أواخر عصر التكوين، أي ما بعد القرن الحادي عشر الميلادي، وعلى استعمال لفظ الأدب للدلالة على «العلوم الأدبية».7 Heinrichs, “The Classification of the Sciences and the Consolidation of Philology in Classical Islam”; Bauer, “Adab c) and Islamic Scholarship after the ‘Sunnī Revival’.” ومآل الأمر أن الأدب، وبعد أن كان يدلّ في العصر العثماني على الإلمام بالشعر واللغة، تقاطعت دلالاته ودلالات كلمة (literature) في السياق الأوروبي الحديث بوصفها معرفة قوامها النصوص،8وعن الدور الاجتماعي للأديب، بوصفه منتجاً للأدب، في الحياة الأدبية العربية خلال العهد العثماني، انظر رالف إلغر (Ralf Elger) «بعض التأملات في الأدب في العصر الحديث» (“Einige Überlegungen zum adab in der Frühen Neuzeit”) وانظر أيضاً بحث جوناثان حدّاد (Jonathan Haddad) «من الأدب إلى Littérature» (Adab into Littérature)، الذي يتناول ترجمة الأدب وما اكتسبه مفهومه من أبعاد في السياق العثماني خلال القرن الثامن عشر. لتصبح لفظة «الأدب» منذ خمسينيات القرن التاسع عشر اللفظة المعتمدة لترجمة هذا المفهوم من الفرنسية أو الإنجليزية.
وفي أقدم مراحل العربية الفصحى، وخاصة في العصر الجاهلي، كانت دلالة أفعال مادة «أ د ب»، ومنها «أدّب»، تنصرف إلى معاني التربية والتهذيب أو ترويض الدواب.9 Bonebakker, “Adab and the Concept of Belles-Lettres,” 18. وأشار باحثون كثيرون أيضًا إلى احتمال رجوع هذه اللفظة إلى أصول غير عربية.10انظر دراسة لوكا باتريتسي (Luca Patrizi) «من التربية إلى آداب السلوك» (From Education to Etiquette) التي تعتني بدراسة اشتقاق المصطلح وتحليله. على أن أئمة اللغة العرب لطالما أرجعوها إلى المَأدُبَة، أي صنيع الطعام الذي يُدعى إليه الناس.11 Patrizi “From Education to Etiquette,” 58–62. ولئن كانت هذه الصلة ذات دلالة، كما ذهب مؤخرًا كل من صلاح ناتيج ونهى الشعار من منظورين متباينين،12 Natij, “Le concept d’adab est-il dérivé du mot daʾb?”; Alshaar, “Introduction,” 6f., 11–16; van Gelder, God’s Banquet: Food in Classical Arabic Literature, republished as Of Dishes and Discourse, 39–79. فإن الدراسات الحديثة قد استبعدت هذا الاشتقاق إلى حد بعيد من محاولاتها التأويلية للفظ.
وليس الغرض من هذه المقالة تتبّع البعد الاشتقاقي أو المعجمي لمصطلح الأدب، بل البحث في استعمال هذا المصطلح لدى أشهر أعلامه في القرنين الثاني والثالث للهجرة (الثامن والتاسع للميلاد)، تمهيدًا لوضع أساس نقدي يعين على دراسة العلاقة الإشكالية بين مصطلح الأدب في سياقه التراثي ومفهوم الأدب بمعناه الحديث (literature) خدمة للبحث التاريخي. وكثيراً ما يُستحضر النقد الموجَّه لِباحثي أوائل القرن العشرين، أمثال كارلو نَلّينو (Carlo Nallino)، حيال إسقاطهم مفهوم «الأدب» الحديث (Literature) على مصطلح «الأدب» في سياقه التراثي (فقد اعتنى نلّينو نفسه بتدريس «الأدب» بوصفه موضوعاً تاريخياً إلى جانب كونه نصوصاً أدبية بالمعنى الحديث).13 Khalidi, Arabic Historical Thought in the Classical Period, 93; Kilito, al-Adab wa-l-gharāba, 16–20; Bin Tyeer, “The Qur’an and the Aesthetics of Premodern Arabic Prose,” 9; Kia, “Lingering with Adab before Rushing to Literature.” ومن ذلك، على سبيل المثال، أن هدى الشكري ترفض تأريخ الأدب بوصفه مقابلًا لمصطلح (literature) ذي الصبغة العلمانية.14 El Shakry, “Adab,” 111f., and The Literary Qurʾan, 17–19; Alshaar, “Introduction,” 6–11; Ahmed, What Is Islam?, 170–175, 223–236. وعلى الرغم من وجاهة هذا النقد، لا تزال القراءة التأويلية «المُعصرِنة» للأدب سائدة، ونعني بذلك ربطه بالتدوين أو التأليف أو تعريفه بوصفه ثقافة مخصوصة في سياقات ما قبل عصر الطباعة.15يبرز ذلك خصوصًا في مقال مالطي-دوغلاس، «اللعب بالمقدّس»، وفي كتاب شوقي ضيف «تاريخ الأدب العربي»، ج ١، ص ٩. ومن أحدث ما تناول المسألة مدخل سوزانه إندرفيتس (Susanne Enderwitz) الموسوعي «الأدب والعلوم الإسلامية في العصر العباسي» (Adab b) and Islamic Scholarship in the ʿAbbāsid Period). ومع أن مايور-جاوين، في مقدمتها «مقدمة: الأدب المستعاد دومًا» (Introduction: L’adab toujours recommencé)، تنتقد نزوع الباحثين إلى علمنة مفهوم الأدب (ص ١٧)، وهو نقد وجيه، فإنها تقول: «ظل الأدب، بوصفه ثقافة، متصلًا دائمًا بالنتاج الأدبي والفكاهة والحب» (Adab as a culture has always been connected to literature, to humour, to love) (ص ٢٩). ويحتل مفهوم الثقافة، وإن بدلالة أضيق، مكانًا بارزًا في دراسات ناتج، ومنها «موضع التجربة ووظيفتها في ثقافة الأدب: التجارب والعقل والتدبير» (Place et fonction de l’expérience dans la culture de l’adab: Tajārib, ʿaql et tadbīr)، و«ثلاث صور للأدب» (Trois Figures de l’adab)، ص ١٧٧، وكذلك في ترجماته لبعض النصوص، إذ يقابل لفظ (adab) في بعضها بلفظ (culture). وأذهب هنا إلى أن العادة الجارية على تصوير الأدب منذ نشأته بوصفه حقلًا أو جنسًا أو ثقافة قائمة بذاتها، إنما تعيد غالبًا إنتاج الافتراض القائل بأن الأدب ظل على الدوام وثيق الصلة بالمفهوم الحديث لـ (literature)، وكأنه مستقل تمامًا عن الدين والعلوم، بما فيها العلوم الإسلامية.
ومن خلال التمحيص الدقيق في كتابات ثلاثة من أشهر مصنّفي صدر العصر العباسي (ممن غدوا لاحقًا من أبرز الأسماء المقترنة بالأدب)، أبيّن أن هذا المصطلح استُعمل للتعبير عن تصوّر معرفي غايته التهذيب الأخلاقي لصلاح الدنيا والآخرة معًا.16تكتفي بعض الدراسات بإيراد مقابلات غربية فضفاضة للمصطلح بدلًا من تحليله في سياقه الدلالي. أما دراسات أحدث فتنسب إلى الأدب فاعلية شبه مستقلة في منظومة معرفية مركّبة. ففي كتاب «القارئ المتزن: إكساب الأدب مشروعيته في التقليد الأدبي العربي» (The Well-Tempered Reader: The Legitimization of Adab in the Arabic Literary Tradition)، ص ٨، تبحث سارة بن تيير صلة الأدب بالضيافة بوصفها مظهرًا من مظاهر المروءة، ودوره في تشكيل الذات حتى تغدو «ذاتًا متأدبة» (adabized subject). وحين توضّح أن غايتها «ليست تتبّع اتساع دلالة الأدب أو انحسارها أو تحولها […]، بل استقصاء القواعد الناظمة للأدب نفسه» (is not to trace adab’s expansion, constriction, and/or transformation of its meaning […] but rather to investigate the grammar of adab itself)، فإنها تسلك غير سبيل هذه المقالة، التي ترى أن الاقتصار على تتبّع تعريفات الأدب المبكرة وسياقاتها لا يفي بالغرض. وقد حلّل دلالة المصطلح في عدد من النصوص المدروسة هنا كلٌّ من مكرم عبّاس (Makram Abbès)، في دراسته «الأدب وتكوين الرجال» (Adab and the Formation of Men)، وناتج، في دراساته «موضع التجربة ووظيفتها في ثقافة الأدب»، و«تصور الجاحظ للأدب في ضوء رسالته صناعة القواد» (La conception ğāḥiẓienne de l’adab d’après son épître ‘Ṣināʿāt al-quwwād’)، و«ثلاث صور للأدب». ويعمد ابن المقفع (ت. 139هـ/757م)، والجاحظ (ت. 255هـ/869م)، ومعاصره المحاسبي (ت. 243هـ/857م) إلى حد ما، إلى تعريف الأدب على وجهين: أولهما، أنّه معرفة بالجزئيات الأخلاقية التي لا غنى عنها في حياة الإنسان؛ وثانيهما، أنّه صلة حتمية تتأتّى من تلقين هذه الجزئيات للعقل البشري، بوصفه ملكة إدراكية وهبها الله لجلّ البشر.17يكاد ناتج ينفرد بتصور يطابق هذا التعريف المزدوج، وذلك في دراسته «موضع التجربة ووظيفتها في ثقافة الأدب»، ص ١٦٥–١٦٨. ويعرض تصوره للأدب عند الجاحظ في دراستيه «تصور الجاحظ للأدب في ضوء رسالته صناعة القواد»، ص ١٧٥، و«ثلاث صور للأدب»، ص ١٨٧. وكان غوستاف فون غرونباوم (Gustave von Grunebaum) قد عرّف الأدب تعريفًا واسعًا سنة ١٩٤٦، فقال في كتابه «الإسلام في العصر الوسيط» (Medieval Islam)، ص ٢٥٠، إنه «كان يدل في الأصل على تهذيب العقل وتدريبه» (originally connoting the discipline of the mind and its training). وانظر أيضًا بونباكر، «الأدب ومفهوم الأدب الجميل»، ص ١٧. ولأنّ الأدب لا ينفكّ عن العقل (المناط به معالجة شتى تجارب الحياة)، يتعذر وضع تعريف للأدب بمعزل عن هذه العلاقة التلازمية المتأصّلة فيه. وكما يوضح الجاحظ، فإن هذا الاعتماد المتبادل بين العقل والأدب—والذي تعبر عنه مرارًا صور بيانية تماثل هذه الصلة—18فيما وقفتُ عليه، لم يُمعن النظر في هذه الصور سوى مكرم عبّاس، في دراسته «الأدب وتكوين الرجال» (“Adab and the Formation of Men”)، ص ٣٤. يتيح وضع التعاليم الجزئية في سياقات متجددة باستمرار، ويشرع أمامها آفاقًا دلالية رحبة.
متن الدراسة
تنضوي النصوص التي ورد فيها هذا المصطلح خلال القرنين الثاني والثالث للهجرة (الثامن والتاسع للميلاد) تحت أجناس شتى، كمجاميع الأقوال، والرسائل الكلامية، والرسائل التعليمية. ومع أن هذه المصنفات قد وُضعت قبل أي ظهور لمصنفات الأدب ذات الطابع الموسوعي، فإن كثيرًا منها يغلب عليه طابع الاختيار والانتقاء، إذ تجمع معارف مستقاة من مصادر متنوعة.
وفي سياق هذه المرحلة المبكرة للأدب، أتناول كتاب الحكمة ذائع الصيت «كليلة ودمنة» الذي نقله ابن المقفع عن الفهلوية وصدره بمقدمته، وكتابه «الأدب الكبير»، فضلًا عن كتاب «الأدب الصغير» المنسوب إليه.19 Kristó-Nagy, “On the Authenticity of Al-Adab al-Ṣaġīr Attributed to Ibn al-Muqaffaʿ.” وأعرج كذلك على أقوال صالح بن جناح اللخمي (ت. نحو 150هـ/767م) في رسالته «الأدب والمروءة». أما أعمال الجاحظ التي أقف عندها فهي: أولًا، رسالة «المعاش والمعاد»، وهي رسالة تربوية موجهة إلى ابن قاضٍ بغدادي شهير؛ وثانيًا، «رسالة المعلمين»؛ وثالثًا، رسالة «الحنين إلى الأوطان» التي تضمّ مختارات من الشعر العربي. وأخيرًا، أتناول مقاطع للحارث المحاسبي، المتكلم المكثر المرتبط بمدارس بغداد الصوفية المبكرة، وذلك من كتابيه «رسالة المسترشدين» و«فهم القرآن ومعانيه».20عن المحاسبي وأهمية بغداد في تكوّن التصوف، انظر دراسة غافن بيكن (Gavin N. Picken) «الحارث المحاسبي وتزكية النفس بين الزهد والتصوف» (Al-Ḥārith al-Muḥāsibī and Spiritual Purification between Asceticism and Mysticism).
وإيجازًا، أقتصر على أشهر من كتبوا في الأدب ضمن مجالين تدلّ عليهما، على سبيل التقريب، تسميتا الآداب الرفيعة والتصوف. وأرمي من وراء ذلك إلى إبراز الصلة الجوهرية (التي قلما التفت إليها الباحثون حتى الآن) بين الأدب والعقل، كما تتجلى في الصور البيانية لعصر صدر بني العباس.21أستبعد مدونتين نصّيتين جديرتين بالذكر من العصر الأموي تناولتهما دراسات حديثة للأدب: رسائل الإسكندر إلى أرسطو المترجمة، التي جمعها سالم أبو العلاء، ورسائل عبد الحميد الكاتب؛ ويُرجّح أنّهما ترجعان إلى أوائل القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي. وانظر دراسة فاوستينا دوفِكار-آرتس (Faustina Doufikar-Aerts) «الأدب في نصوص الحكمة المبكرة» (Adab in Early Wisdom Literature)، وناتج، «ثلاث صور للأدب». ولا أُدرج متون كتب الحديث النبوي في هذه الدراسة؛ فعلى الرغم من تدوينها في الحقبة ذاتها فهي لا تقدم تلك التعريفات للأدب التي تتكئ بشدة على لغة المجاز والتصوير. ومن ثم، فإن تتبع الدلالة الدقيقة للأدب في متون الحديث النبوي يحتاج دراسة مستقلة.22عن الأدب في الحديث، انظر دراسة ستيفان شبرل (Stefan Sperl) «جوف الإنسان الخاوي» (Man’s ‘Hollow Core’)، ودراسة نهى الشعار «الحديث ومفهوم الأدب بوصفه تربية أخلاقية» (Ḥadīth and the Concept of Adab as Moral Education).
التحليل المصطلحي والدلالة التاريخية
عبد الله بن المقفّع
يطّرد استعمال مصطلح الأدب في كتاب «كليلة ودمنة»، وهو من أقدم الآثار التي تضمنت هذه اللفظة؛ ففي الطبعة الشهيرة التي حققها عبد الوهاب عزام، ورد المصطلح سبعًا وثلاثين مرة، علاوة على وروده في صيغ مشتقة أربع مرات على الأقل.23صيغ مثل «أدّب» و«تأدّب»، أو «أديب» صفةً. ويرد اللفظ في المقدمات وفي فصول الحكايات الأخلاقية التي يُفترض أنّها تمثّل النواة الهندية للكتاب.24عن مصطلح «النواة الهندية» والتقسيم البنيوي للعمل، انظر مقال يوهانس شتيفان (Johannes Stephan) «إحساس بلا نهاية: كليلة ودمنة بين السيولة والاكتمال» (A Sense of No Ending: Kalīla and Dimna between Fluidity and Completeness)، ص ٥٦. ويمكن رصد أكثر من نصف هذه المواضع في اثنتين من عتبات الكتاب: «مقدمة ابن المقفع»، و«باب بعثة برزويه». ويوصَف الحكيم برزويه في باب بعثته، الذي أرسله الملك الساساني أنوشروان إلى الهند لجلب كتب الحكمة، فعاد بكتاب كليلة ودمنة، بأنه «أحسن أدبًا».25ابن المقفّع، «كليلة ودمنة»، تحقيق عزّام، ص ٥٧؛ وانظر أيضًا طبعة مايكل فيشباين (Michael Fishbein)، 1.9، وطبعة بياتريس غروندلر (Beatrice Gruendler) وآخرين، Lv.86.
وتتضمن مقدمة ابن المقفّع مقطعًا يفسَّر فيه المصطلح بالأمثال والحِكم. وللأدب عند ابن المقفّع شأن عظيم؛ فهو عدّة الحياة وعمادها، حتى إنّه يوضع في منزلة توازن الموت نفسه.26ابن المقفّع، «كليلة ودمنة»، تحقيق عزّام، ص ٤٧؛ وانظر أيضًا طبعة غروندلر وآخرين، Im.40. ويوضح ابن المقفع أن «الأدب الصالح» لازم للحياة الطيبة لزوم المال لها.27ابن المقفّع، «كليلة ودمنة»، تحقيق عزّام، ص ٤٧؛ وانظر أيضًا طبعة فيشباين، 2.5، وطبعة غروندلر وآخرين، Im.39. ويكشف هذا التقييد أنه ما دام ثمة أدب صالح فثمّ أدب فاسد بالضرورة؛ ومن هنا ندرك أن الأدب مفهوم قِيَميّ (معياري). ويربط ابن المقفّع—شأنه شأن كتاب كليلة ودمنة بأسره—الأدب إجمالًا بالفصاحة والعلم وسائر قوى الإدراك، وفي مقدمتها العقل؛ وهو ما يتضح من التشبيه الآتي:
ويُقال إنّ الأدب يجلو العقل كما يجلو الودك النار ويزيدها ضوءًا.28ابن المقفّع، «كليلة ودمنة»، في تحقيق مايكل فيشباين وجيمس مونتغمري (Michael Fishbein and James Montgomery)، 2.5؛ وانظر أيضًا تحقيق عزّام، ص ٤٧، وطبعة غروندلر وآخرين، Im.41.
وهذه صورة مركبة تقيم تشبيهًا بين الأدب والودك من جهة، وعلاقة وظيفية بين الأدب والعقل من جهة أخرى. وتظهر هذه العلاقة بين العقل والأدب أو الإدراك والأدب بجلاء في «باب توجيه كسرى أنوشروان برزويه إلى بلاد الهند لطلب الكتاب» وباقي حكايا كليلة ودمنة، كما في هذا القول المأثور الذي يشبّه صلة الأدب بالعقل بالنور والبصر:29ولم يلبث عدد من المصنّفين أن أدرجوا هذا القول في مختاراتهم؛ منهم ابن قتيبة، «عيون الأخبار»، طبعة القاهرة ١٩٢٥، ج ١، ص ٢٨٠، وج ٢، ص ٤١؛ وابن أبي عون، «التشبيهات»، تحقيق خان، ص ٣١٢؛ والدينوري، «المجالسة وجواهر العلم»، تحقيق سلمان، ج ٥، ص ٢٦؛ وأبو هلال العسكري، «الصناعتين»، تحقيق البجاوي وإبراهيم، ص ٢٤٤. وانظر أيضًا ما ذكره عبّاس عن هذا القول في «الأدب وتكوين الرجال»، ص ٣٤.
واعلم أنّ الأدب يذهب عن العاقل السكر ويزيد الأحمق سكرًا كما أنّ النهار يزيد كلّ ذي بصر بصرًا ويزيد الخفّاش سوء بصر وعمى.30ابن المقفّع، «كليلة ودمنة»، في تحقيق فيشباين ومونتغمري، 4.98؛ وانظر أيضًا تحقيق عزّام، ص ١٠٠.
وليس مدار القول هنا على صفة الأدب في ذاته، بل على صِلته بالعقل؛ فهذا القول يقرر أن تحصيل الأدب ليس ميسورًا لكل إنسان، وأن العاقل وحده من يقوى على الانتفاع به. بل إن الأدب قد يضرّ ضعيفي العقول، تمامًا كما يعمي ضوء النهار بصر الخفاش.31أما العقل فلا غنى للمرء عن الاستكثار منه. انظر ابن المقفّع، «كليلة ودمنة»، في طبعة فيشباين، 2.5.
ويبرز بيان صلة الأدب بالعقل أيضًا في كتاب «الأدب الكبير»، حيث يخاطب ابن المقفّع طالب الأدب، متناولًا قضايا لا تخرج عما في «كليلة ودمنة».32ابن المقفّع، الأدب الصغير والأدب الكبير، تحقيق فوّال، 69. ويتكرر النسق نفسه في كتاب «الأدب الصغير» المنسوب إليه؛ فمقدمته تنسجم تمام الانسجام مع مقدمة كليلة ودمنة، إذ ترسم صورة بيانية للأدب مشبّهة إيّاه هذه المرّة بالماء الذي يروي «الحبّة المدفونة في الأرض»، وهي البذرة التي يشبّهها بعقل الإنسان حيث يقول إنّ «سليقة العقل مكنونة في مغرزها من القلب».33ابن المقفّع، «الأدب الصغير والأدب الكبير»، تحقيق فوّال، ص ١٦. وانظر أيضًا حديث بن تيير عن فواتح «الأدب الصغير» في «القارئ المتزن»، ص ٢٦.
ويبرز أديب آخر من العصر نفسه، وهو الشاعر صالح بن جناح اللخمي،34في ترجمة صالح بن جناح، انظر دراسة فرانتس روزنتال (Franz Rosenthal) «تاريخ مثل عربي» (The History of an Arabic Proverb)، ص ٣٦٨، وكتاب يوزف فان إس (Josef van Ess) «علم الكلام والمجتمع في القرنين الثاني والثالث للهجرة» (Theology and Society in the Second and Third Centuries of the Hijra)، ج ٢، ص ٢٢. ويرجح أن يكون صالح بن جناح من معاصري ابن المقفّع، كما يذهب فان إس في الموضع نفسه، أو أسبق منه بقليل، كما يرى عبّاس، «الأدب وتكوين الرجال»، ص ٣٣، وناتج في دراسته «المروءة» (Murūʾa)، ص ٨. ولمزيد من التفصيل في سيرته وآثاره، انظر أيضًا بن تيير، «القارئ المتزن»، ص ٢٠–٢٣ و٢٥ وما بعدها. مكانة الأدب المركزية وصلته الملازمة بالعقل.35يبيّن فان إس، في «علم الكلام والمجتمع»، ج ٢، ص ٢٢، أهمية هذه الصلة، ويقارنها بثنائية «الطبع والتنشئة» (nature and nurture) في الموضع نفسه، ص ١٣٨. ولتحليل المقطع نفسه، انظر عبّاس، «الأدب وتكوين الرجال»، ص ٣٣ وما بعدها، وناتج، «المروءة»، ص ٢٤٢–٢٤٦. فقد نظم أبياتًا جعل فيها الأدب زينة العقل، وشبّه ارتباط الأدب بالعقل بصلة الحاكم بمشيره، وبصلة السيف بجلائه.36صالح بن جناح اللخمي، الأدب والمروءة، طبعة طنطا، 21؛ وانظر أيضًا تحقيق كرد علي في رسائل البلغاء، 306. ويبيّن أنّ السيف يفقد قيمته بغير الجلاء ويغدو عديم النفع، في حين أن الجلاء لم يوجد إلّا لخدمة السيف، ولا غناء فيه بمفرده. وقد يلاحظ القارئ أن الصور التي وقفنا عليها، منها الودك والنار، والماء والبذرة، والحاكم والمشير، والجلاء والسيف، تسلّط الضوء على أنماط متباينة من التفاعل النفعي. واللافت أن التلازم بين العقل والأدب في صورة السيف والجلاء أقوى منه في الصور التي استعملها ابن المقفّع.37ويتناول مكرم عبّاس استعمال أمثال هذه التشبيهات في دراسته «الأدب وتكوين الرجال»، ص ٣٤.
وخلاصة ما تقدم أن ابن المقفّع يشدّد على مركزية الأدب في الحياة، وصلته بالعقل، وتعدد صفاته؛ فالأدب الفاسد إنّما يقع حين تنقطع صلته بالعقل. فالأدب هنا رصيد من الخبرة الأخلاقية، مستمد من التجربة ومتصل بعقل الإنسان، حيث إنّ أجلى السبل وأنجعها في تعريفه هي تلك التشبيهات البيانية. ويأتي عمرو بن بحر الجاحظ، وهو عَلم آخر من أعلام الأدب المبكر، ليعلق على توظيف التشبيهات في كتاباته، مع تركيز أكثر صراحة على ما أسماه جوستاف فون جرونيباوم (Gustave von Grunebaum) «رياضة العقل وتهذيبه».38 Medieval Islam, 250.
أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ
تحوي رسالة «المعاش والمعاد» عبارة ذائعة الصيت يقول الجاحظ فيها:39 El Shakry, “Adab,” 110; Hämeen-Anttila, “Adab a) Arabic, Early Developments”; Abbès, “Adab and the Formation of Men,” 34; Natij, “La conception ğāḥiẓienne de l’adab,” 175f.
وقد أجمعت الحكماء أنّ العقل المطبوع والكرم الغريزي لا يبلغان غاية الكمال إلّا بمعاونة العقل المكتسب. ومثّلوا ذلك بالنار والحطب، والمصباح والدهن. وذلك أنّ العقل الغريزي آلة والمكتسب مادّة، وإنّما الأدب عقل غيرك تزيده في عقلك.40الجاحظ، «الرسائل»، تحقيق هارون، ج ١، ص ٩٦. وينقل وليام م. هتشينز (William M. Hutchins) لفظ «الأدب» هنا إلى الإنجليزية بلفظ (literature)؛ انظر الجاحظ، «تسع رسائل للجاحظ» (Nine Essays of al-Jahiz)، ص ٧٠.
وما يلفت النظر هنا أنّ الجاحظ يستعيد في تعريفه للأدب صورًا بيانية مألوفة عند ابن المقفع وفي «كليلة ودمنة».41إلى جانب المقطع المتقدم، انظر مثلًا ابن المقفّع، «كليلة ودمنة»، تحقيق عزّام، ص ٥٦؛ وانظر أيضًا طبعة فيشباين، 1.2، وطبعة غروندلر وآخرين، Lv.9. ثم يعمد الجاحظ إلى إبراز طبيعة العلاقة بين ما يراه بُعدين للعقل. فالعقل بوصفه آلة يمثل ميلًا شبه مادي، وهو ميل من حيث الإدراك وربما الوجدان أيضًا، وقد يحمل الإنسان على الأفعال المحمودة؛ ولذا يقرن الجاحظ العقل هنا بـ«الكرم الغريزي». وقد جُبل بنو آدم، بفضل خالقهم، وهو منبع الخير الأزلي، على النزوع إلى أفعال تحمد عقباها. غير أن هذا الميل إلى الخير (من ناحية الكرم أو السخاء) يحتاج إلى السند والتغذية، شأنه شأن العقل، الذي هو «وكيل الله»42الجاحظ، الرسائل، تحقيق هارون، I: 92. في خلقه؛ فلا غنى للعقل عن الغذاء.
وإذا جرينا مع الصور المجازية الآنف ذكرها، قلنا إنّ هذا الميل الخلقي لا يستعر ضياؤه إلا إذا أمده الأدب بوقوده؛ فالأدب هو الرافد للعقل المكتسب، أي البعد المادي لذهن الإنسان. ونستخلص من رسالة الجاحظ أن كل معرفة موروثة على هيئة جزئيات (كالحِكَم المفردة، والتعاليم، والمواعظ المنقولة عن السلف) تنطوي على بعد أخلاقي جلي لتعلقها بالأفعال.43وكان الراوي في «باب بعثة برزويه» قد ميّز من قبل بين العقل «المكتسب» والعقل «الغريزي»، واصفاً الثاني بأنه «غريزة مكنونة في الإنسان». انظر ابن المقفّع، «كليلة ودمنة»، تحقيق عبد الوهاب عزّام، ص ٥٦؛ تحقيق مايكل فيشباين، ١.٢؛ وتحقيق بياتريس غروندلر وآخرين، Lv.9. ويتولى أهل الأدب نقل هذه المعرفة؛44انظر استعمال هذا المصطلح في «رسالة إلى الكتّاب» لعبد الحميد الكاتب، كما يناقشه باتريتسي في مقاله «من التربية إلى آداب السلوك»، ص ٨١؛ وانظر كذلك وروده في «رواية في رسائل» (Novel in Letters)، التي بعث بها فيليب (Philip) إلى أرسطو، كما تبيّن دوفِكار-آرتس في «الأدب في نصوص الحكمة المبكرة»، ص ٢٩٤ وما بعدها. فهم العلماء الذين يحسنون توظيف شذرات الحكمة وتبليغها. وعليه، فعقل المؤدِّب هو المعول عليه في تغذية عقل التلميذ. وتبعًا لذلك، تغدو الآداب شكلًا من أشكال المعرفة الأخلاقية المقترنة بمقام القول وسياقاته، وتُتخذ «آلات» لتهذيب العقل وتقويم السلوك الأخلاقي في العاجلة والآجلة.45الجاحظ، الرسائل، تحقيق هارون، I: 99.
وتساوقًا مع مفهوم الآلة هذا، يذكر الجاحظ في «رسالة المعلمين» أن الأدب خلق ورواية معًا. وتدلّ «الرواية» هنا على البعد الشكلي للأدب، أي المادة المصوغة من الحكم والتعاليم، كما تدل على السياق الاجتماعي الذي يصل المؤدب بالمتعلم.46الجاحظ، «الرسائل»، تحقيق هارون، ج ٣، ص ٣٤. ويقارب هذا التفسير ما ذهب إليه ناتج في «تصوّر الجاحظ للأدب»، ص ١٧٦ وما بعدها. وانظر أيضًا بيلا، «تنويعات على موضوع الأدب»، ص ٢٣، وهامين-أنتيلا، «الأدب: أ) العربية، التطورات المبكرة». ويتحقق تلقين الآداب المفردة (المواعظ الأخلاقية) بالتأديب، الذي يعرّفه الجاحظ بأنه إيراد الأمر والنهي.47الجاحظ، «الرسائل»، تحقيق هارون، ج ١، ص ١٠٤. وانظر الفهم التاريخي للأدب عند عبد الفتاح كيليطو في كتابه «الأدب والغرابة»، ص ١٧، حيث يفهمه بوصفه «نوعًا من الخطاب» (un type de discours) تتجسّد فيه غاية تعليمية. ولا يقف الأمر عند هذه الصلة الاجتماعية؛ فالأديب يعيد تنزيل ما يرويه على أحوال جديدة، كما يظهر في مستهلّ رسالة الحنين إلى الأوطان، حيث يبيّن أن الربط الدائم بين شذرات المعارف المنقولة هو من صميم عمل «حملة الأدب»، إذ يقول:
إنّ لكلّ شيء من العلم، ونوع من الحكمة، وصنف من الأدب، سببًا يدعو إلى تأليف ما كان فيه مشتّتًا، ومعنًى يحدو على جمع ما كان منه متفرقًا. ومتى أغفل حملة الأدب وأهل المعرفة تمييز الأخبار واستنباط الآثار، وضمّ كلّ جوهر نفيس إلى شكله، وتأليف كلّ نادر من الحكمة إلى مثله – بطلت الحكمة وضاع العلم، وأميت الأدب.48الجاحظ، «الرسائل»، تحقيق هارون، ج ٢، ص ٣٨٣؛ وانظر أيضًا ناتج، «ثلاث صور للأدب»، ص ١٨٩–١٩٠.
فالمعارف والحِكم، ومنها الأدب، مجعولة للاستعمال المتصل والتطويع الدائم بالتطبيق؛ وعلى حملة الأدب أن يرتّبوها وينسّقوها، كما يقرر الجاحظ ويمارس بنفسه في «المعاش والمعاد».49انظر مثلًا الجاحظ، «الرسائل»، تحقيق هارون، ج ١، ص ١٠٩. وبعبارة أخرى، يعمد المرء بعقله إلى إعادة توظيف معارف كاد يطويها النسيان، وينزّلها على أحوال جديدة. وهذا بالذات، أي ربط التعاليم الأخلاقية بأصولها المعرفية الأولى، هو ما يعيبه الجاحظ على من سبقه من المصنفين، حيث يقول:
ورأيت كثيرًا من واضعي الآداب قبلي قد عهدوا إلى الغابرين بعدهم في الآداب عهودًا قاربوا فيها الحقّ، وأحسنوا فيها الدلالة، إلّا أنّي رأيت أكثر ما رسموا من ذلك فروعًا لم يبيّنوا عللها، وصفات حسنة لم يكشفوا أسبابها وأمورًا محمودة لم يدلّوا على أصولها.50الجاحظ، «الرسائل»، تحقيق هارون، ج ١، ص ٩٦. وعن هذا المقطع انظر أيضًا ناتج، «ثلاث صور للأدب»، ص ١٨٣ و١٨٦. ويرجّح ناتج في المقال نفسه، ص ١٨٧، أن الجاحظ كان يعني مؤلفين من أمثال عبد الحميد الكاتب وابن المقفّع. ويورد ابن المقفّع معنى قريبًا في «الأدب الكبير»؛ انظر «الأدب الصغير والأدب الكبير»، تحقيق فوّال، ص ٧٩–٨١.
ولذلك قرر أن يجمع، على حد قوله، «كتابًا من الأدب»51الجاحظ، «الرسائل»، تحقيق هارون، ج ١، ص ٩٥. لا يحشد التعاليم الأخلاقية المنقولة فحسب، بل يبين عللها وأسبابها، إذ يقول:
فرأيت أن أجمع لك كتابًا من الأدب، جامعًا لعلم كثير من المعاد والمعاش، أصف لك فيه علل الأشياء، وأخبرك بأسبابها وما اتّفقت عليه محاسن الأمم.52الجاحظ، «الرسائل»، تحقيق هارون، ج ١، ص ٩٥.
فكل العظات التي تندرج تحت مظلة الأدب مما أجمعت عليه الأمم يُعتدّ بها في الدنيا والآخرة. ويحتج الجاحظ بأن البشر، بحكم قصور علمهم على دار الدنيا، لا يسعهم إلّا افتراض أن أحوال الآخرة تمضي على شاكلة ما يعرفونه من أحوال الدنيا.53الجاحظ، «الرسائل»، تحقيق هارون، ج ١، ص ٩٩. وهكذا يتجلى الأدب مفهومًا لتلقين الأخلاق، لا تُفهم فيه الأخلاق بابًا مستقلًا، بل تنتظم في تصور للكون والمعرفة يؤمن بأنّ الأشياء موصولة ببعضها بحكم طبائعها، ولا تُفهم إلا على هذا النحو.
وقد يحلّ مصطلح آخر محل الأدب في كتابات الجاحظ، أو يُحاط بتعبيرات شتى؛ لأنه يجمع في دلالته بين المعرفة الأخلاقية والوسيلة الناقلة لها. وبوصفه شكلًا من أشكال المعرفة، لا ينغلق الأدب قطّ على ذاته، بل يظل أبدًا موصولًا بالعمل (أي بالتجربة السالفة والتجارب المقبلة)، منفتحًا بذلك على آفاق دلالية رحبة المدى. فالأدب آلة54الجاحظ، «الرسائل»، تحقيق هارون، ج ١، ص ٩٩. ومادة55الجاحظ، «الرسائل»، تحقيق هارون، ج ١، ص ٩٦. في آن واحد؛ وهو جوهر قائم وقدرة علائقية كامنة في الإنسان. وفضلًا عن ذلك، هو ممارسة أخلاقية، وحلقة وصل بين النظر والعمل، وبين الفكر والتطبيق؛ تضرب جذوره في الماضي، وتتجه أنظاره نحو المستقبل.
وقبل أن أختم بحثي، سأعرج على دلالة الأدب في سياق التصوف المبكر، متخذًا من أبي عبد الله الحارث المحاسبي ممثلًا له.
الحارث المحاسبي
ظلّ استخدام أسلوب التشبيه وسيلة لتصوير العلاقة بين الأدب والعقل في مجمل تاريخ التراث الأدبي القديم. وقد سلك المحاسبي، وهو من أبرز متكلمي عصره ومن أوائل مفكري التصوف، هذا المسلك بإيراد تشبيهات مماثلة في «رسالة المسترشدين».56ألّف المحاسبي أيضًا كتاب «آداب النفوس» الشهير، ولا يرد فيه المصطلح إلا نادرًا، ولا يكاد يرد ضمن تركيب نحوي؛ انظر فصل أنابيل كيلر (Annabel Keeler) «مفهوم الأدب في التصوف المبكر» (The Concept of Adab in Early Sufism)، ص ٦٨. وعن رسالة صوفية أقدم وأوجز ألّفها شقيق البلخي (ت. ١٩٤هـ/٨١٠م)، ولم يستعمل فيها المصطلح إلا مرة واحدة، انظر فصل جان جاك تيبون (Jean-Jacques Thibon) «الأدب والتربية الروحية لدى مشايخ نيسابور» (Adab et éducation spirituelle (tarbiya) chez les maîtres de Nīshāpūr)، الذي يتناول القرنين الثالث/التاسع والرابع/العاشر، ص ١٠٣، والحاشية ٦ في الصفحة نفسها. فيستهلّ بالمقابلة بين النور والعمى، في استعادةٍ لافتة للصورة التي أوردناها آنفًا من «كليلة ودمنة»، إذ يقول:
واعلم أنه كما لا يُغني ضوء النّهار الأعمى كذلك لا يضيء بنور الْعلم إلّا أهل التقى، وكما أن الميّت لا ينفعه الدّواء كذلك لَا يفيد الأدب فِي أهل الدّعوى.57المحاسبي، رسالة المسترشدين، تحقيق أبي غدة، 160.
ويبدو أن المحاسبي يوجه سهامه هنا إلى معاصريه من أصحاب «الدعوى في الأحوال»58يذكّر هذا بعنوان كتاب لسهل التستاري، أحد أشهر أعلام دوائر التصوف البغدادية في ذلك العصر: «كتاب المعارضة والرد على أهل الفرق وأهل الدعاوى في الأحوال». انظر كيلر، «مفهوم الأدب في التصوف المبكر»، ص ٧١، الحاشية ٥٣. وعن المحاسبي والتستاري أيضًا، انظر فصل باسكال باشارين (Pascal Basharin) «مدرسة بغداد الصوفية» (The Ṣūfī School of Baghdād)، ص ٦٣٧–٦٤٢. ممن يدّعون المقامات الصوفية أو يتصنعونها، وهم في نظره يفتقرون إلى المعرفة والعلم اللذين يؤهلانهم لفهم أوامر الله؛ إذ لا يملكون سوى ادعاء التُقى، فلا قِبل للأدب بشفائهم، فالميت لا ينفعه الدواء كما يقول المحاسبي. وتعكس هذه الصورة عناية المحاسبي بجانب الممارسة التعبّدية؛ فالأدب، شأنه شأن كلّ علم أو ممارسة أخلاقية، لا يثمر إلّا في نفس مهيّأة له. وخلافًا للصور المجازية السابق ذكرها، يدرج المحاسبي الأدب في سياق خصه في موضع آخر بتسمية «آداب النفوس».59انظر كتاب المحاسبي بهذا العنوان، والعرض الموجز له عند كيلر، «مفهوم الأدب في التصوف المبكر»، ص ٦٦–٦٨. وفي هذا السياق الصوفي التأسيسي، يغدو الأدب معيارًا للرياضة والتهذيب في مجابهة الهوى الذي تجنح إليه النفس الأمارة.60انظر المحاسبي، «رسالة المسترشدين»، تحقيق أبي غدة، ص ٧٩. وانظر أيضًا كتاب يوزف فان إس «فكر الحارث المحاسبي» (Die Gedankenwelt des Ḥariṯ al-Muḥāsibī)، ص ٦ وما بعدها، و٣٦–٣٩. ولموقف مماثل في ذم الهوى، انظر صالح بن جناح اللخمي، «الأدب والمروءة»، طبعة طنطا، ص ١٥؛ وانظر أيضًا تحقيق كرد علي في «رسائل البلغاء»، ص ٣٠٣ وما بعدها. ويظهر عند التستري أيضًا هذا المعنى للهوى بوصفه ميل النفس السفلى؛ انظر كيلر، «مفهوم الأدب في التصوف المبكر»، ص ٨٣ وما بعدها، وكذلك ص ٧٥، حيث تورد تعريفًا شاملًا للأدب عند سهل التستاري.
ويزيد المحاسبي هذه الصلة بيانًا في كتاب فهم القرآن ومعانيه، إذ يربط الأدب بالمعرفة المتعالية. ففي أحد المقاطع يعرض تعريفًا للأدب مأثورًا عن النبي محمد؛ إذ يروي إسحاق بن عيسى في حديث أن النبي قال: «إنّ كلّ مؤدِّب يجب أن يودّي أدبه، وإنّ أدب الله القرآن».61انظر المحاسبي، «العقل وفهم القرآن»، تحقيق القوّتلي، ص ٢٨٩. وقد أُدرج هذا الحديث لاحقًا في «مسند الدارمي». ولقراءة أخرى لهذا المقطع من «فهم القرآن»، انظر كتاب بيرينيكه متسلر (Berenike Metzler) «فهم القرآن» (Den Koran verstehen)، ص ٥٠–٥١؛ وتستند هذه القراءة إلى مخطوطة غير التي اعتمدتها طبعة أبي غدة المستعملة هنا.
وقد كان «أدب الله» من المعاني المركزية في التصوف المبكر.62 Gril, “Adab et éthique dans le soufisme,” 52–54. Keeler, “The Concept of adab in Early Sufism,” 90–94. ويتجاوز هذا التصور ما نجده عند ابن المقفّع، الذي ربط الأدب بالتجربة وبالعقل الإنساني المتطلع إلى الآخرة. فالمحاسبي يؤكد ضرورة الاقتداء بما يسوقه الله في القرآن، مشيرًا إلى الصلة الملازمة بين الله والقرآن بوصفه تجليًا له وتعليمًا من لدنه؛ فهو بالتالي «أدبه». والقرآن، بوصفه أدب الله، تدخّل إلهي كامل ودائم، موجّه إلى البشر كافّة. وقياسًا على الصورة السابقة، يكون الله بإزاء العقل، ويكون القرآن بإزاء ما يصدر عن العقل. فالأدب، على هذا الوجه، أثر عقل المرء حين يتحول إلى عمل، وعلى كل مؤدب أن يحققه في سلوكه. وفي مصنفات المحاسبي ومعاصره الجاحظ، لا يقتصر المصطلح على دلالة الأخلاق أو «التكوين الثقافي» (Bildung) فحسب، بل يتجاوزها للدلالة على صلة العلم بالعمل، وارتباط العقل بأقوم سبل تطبيقه، ألا وهو «الأدب».
خاتمة
إنّ التراث الصوفي للمحاسبي وما اتّصل به من مدارس بغداد يفتح الباب واسعًا لطائفة أخرى من المفاهيم والمسائل التي يضيق المقام عن تفصيلها هنا. ولم أقصد من الإلماح الموجز لاستعمال المحاسبي لهذا المصطلح سوى الوقوف على الأرضية المشتركة التي تجمعه بغيره من المفكرين ممن يُعَدون اليوم في زمرة الأدباء. وليس للأدب، في النصوص التي استعرضناها، إلا صلة ضئيلة بالكتابة و«حسن السلوك» أو «آداب المعاملة». بل هو مفهوم ناظم للأخلاق الشاملة، والمعرفة الأخلاقية، والغايات التربوية المستلهمة من سياق الوحي الإسلامي. وهو يعمل على مستويين:
فالأدب، أولًا، اسم جامع لكافة تعاليم الأخلاق والعبادة المنتقاة من كلّ الأجيال، ماضيةً وحاضرة، والمتصلة بعضها ببعض، بشتّى ترتيباتها؛ وهذه هي «الآداب». وهو رصيد متجدد لا ينفد من المعرفة الأخلاقية والقدرة على تبيّن السلوك القويم في كل مقام. وتأتي هذه المعرفة في صورة حكم وتعاليم موجزة فتغدو بمثابة أداة تربوية، وتؤدي دور «الآلة» التي يستعين بها العقل.
ويدلّ الأدب، ثانيًا، على الصلة الضرورية بين منظومة الأخلاق البشرية والعقل؛ فالأخلاق لا تُكتسب بمجرد المحاكاة والتطبيق، بل لا بد لكل فرد من أن يكتسبها بنفسه، فيجسّدها عملًا، ويُشرعها على آفاق دلالية متجدّدة. ويستوجب هذا إعمال العقل بوصفه الأداة المنوط بها التلقي والاستيعاب وإعادة الصياغة للتعاليم الأخلاقية. وبفضل هذه العلائقية المتأصلة فيه، يلتقي الأدب في بعض دلالاته بمصطلحات أخرى من قبيل «الحكمة» أو «العلم». وتكفل القصص المتداخلة والمترابطة في «كليلة ودمنة» (وما شاكلها من الحكايات الإطارية) نقل هذه الأبعاد المتشابكة للأدب. وتتبنى كثير من أمهات المجاميع الأدبية هذا المنزع عينه، وتمثل «رسائل» الجاحظ، ولا سيما أوسع كتبه، «الحيوان»، أمثلة مبكرة لهذا النهج.63يخلص ناتج، في «ثلاث صور للأدب»، ص ١٨٧، إلى معنى قريب، ولكن بصياغة مختلفة؛ إذ يرى في تصور الجاحظ «وجهين لممارسة الأدب» (deux perspectives dans l’exercice de l’adab)، أحدهما تراكمي، والآخر يصوغ من المعارف المروية بناءً نظريًا.
فإن قصر الأدب الحديث (literature) على النصوص، ولا سيما النثر التخييلي (fiction)، أو على طائفة محصورة من الأجناس، لم يصح أن يُجعل معادلًا للأدب في استعماله التاريخي. ومع ذلك، تظل الصلة الدلالية بين الاستعمالين حقيقة بالنظر متى ما جاوزنا الفهم النصي والعلماني المحض للمصطلح الغربي. فمن جهة، يلتقي الأدب في استعماله التاريخي بالأدب في معناه الحديث من حيث صلتهما بالأخلاق العملية من غير تقيد بجنس أدبي بعينه؛ إذ يجوز لهذه الأخلاق أن تنبثق من أي مَعين، كما هو الشأن في «كليلة ودمنة». فالأدب في استعماليه القديم والحديث تصور للمعرفة يحيط بالأبعاد الدنيوية (كالتمييز بين الصواب والخطأ) والأبعاد الوجودية والمتعالية في آن واحد. ومن جهة أخرى، ثمّة شبه في طريقة الصياغة؛ فالأدب في استعماله التاريخي، مثل الأدب الحديث، يبلّغ المعرفة بالأمثال والتشبيهات، ويجعل الإدراك البشري محورًا، بما يكتنفه من ملكة التخييل وما تنطوي عليه السرديات (التخييلية) من قدرة على إضفاء معانٍ متجددة على حياة الإنسان. بيد أن صلة الأدب بالسرد والتخييل مسألة تستدعي مزيدًا من البحث والتأمل. ومن جهة ثالثة وأخيرة، يمنح الأدب صاحبَه منزلة اجتماعية؛ فليس كل إنسان من أهل الأدب، ولا كل فرد ذا أدب صالح. ومع ذلك، يستطيع كلّ إنسان، من حيث الأصل، أن يكتسبه، شأنه في ذلك شأن تعلم القراءة والكتابة والتبحر في العلم.
ولا بد من مزيد من البحث المصطلحي لفهم تطور الأدب بعد الجاحظ، ولا سيما بعد ظهور المؤلّفات الموسوعية، حين اكتسب اللفظ معنى أضيق، وكذلك لفهم تطوره في مصنفات الصوفية.64أشار تيبون إلى تحول دلالي في الخطاب الصوفي خلال النصف الثاني من القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي؛ انظر «الأدب والتربية الروحية لدى مشايخ نيسابور»، ص ١٠٤. كما ينبغي تفصيل موقع الأدب في الحديث والفكر الفقهي، من حيث هو نمط للإدراك والتفكير في الأخلاق. وأخيرًا، ينبغي النظر في مدى انطباق التأويل المقترح هنا على التقاليد اللغوية اللاحقة، وبخاصة الفارسية والهندوستانية.


اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.