مقدّمة
يمثّل الاستدلال مفهوما مشتركا في المنظومة العلميّة القديمة بين علوم المنطق والكلام وأصول الفقه1التهانوي، كشّاف اصطلاحات، مدخلا “استدلال” و”دليل.” كما هو مشترك اليوم بين المنطق واللسانيّات والدلاليّات والتداوليّات والعرفانيّات مثلا. وإذا كان قدماء العرب قد حلّلوا الاستدلال في نواته الدنيا على أنّه طلب للدليل يتكوّن من (أ) دليل مطلوب “يلزم من العلم به العلمُ بشيء آخر” و(ب) نتيجة و(ج) علاقة بين الدليل والنتيجة فإنّ تعدّد دلالاته اليوم جعل بعض الباحثين يذهبون إلى صعوبة ضبط تعريف موحّد له2Jayez, L’inférence en langue naturelle.
وقد لا تستوفي هذه النواة شروط التحديد المنطقي لكنّها كافية لتبيّن أنّ الاستدلال المنطقي ضرب من الاستدلال وليس هو الاستدلال الوحيد. ويكمن الفرق في أنّ الاستدلال البرهانيّ لدى المناطقة يستند إلى تحديد واضح لعناصر الانطلاق ولإجراءات توليد النتائج في حين أنّ اللغة الطبيعيّة تستند إلى عناصر متنوّعة مستمدّة من السياقين المقامي والمقالي عند التخاطب.
وقد استعمل السكاكي [تـ 626 هـ / 1229 م] في “مفتاح العلوم”3السكاكي، مفتاح العلوم، تحقيق زرزور. مصطلح “الاستدلال” وهو يضبط العلوم المندرجة ضمن ما أسماه علم الأدب4.السكاكي، مفتاح العلوم، تحقيق زرزور، 7، ويستعمل له كذلك مصطلح “نوع الأدب” على الترادف، السكاكي، مفتاح العلوم، تحقيق زرزور، 6. وهو علم يهدف عنده إلى “الاحتراز من الخطأ في كلام العرب”5.السكاكي، مفتاح العلوم، تحقيق زرزور، 7 فحصر الفروع المكوّنة له في المفرد (علما الصرف والاشتقاق) والمركّب (علوم النحو والمعاني والبيان). ثمّ ساقه تفصيل العلاقات بين هذه العلوم إلى الحديث عن علم الاستدلال. ويستدعي بناء موضوع علم الأدب تحديد موقع علم الاستدلال من هندسة علم الأدب كما تصوّره السكّاكي . وبالنظر في معنى ترابط هذه العلوم فيما بينها نصل إلى التساؤل عن خصوصيّة الاستدلال في البلاغة وما يسوّغ لنا الحديث عن “استدلال بلاغي” (مقابل استدلال صناعيّ أو منطقيّ).
ونشير من الآن إلى أنّ مصطلح “الاستدلال البلاغيّ” من نحتنا6.المبخوت، الاستدلال البلاغي للتعبير عن “الاستدلال في البلاغة العربيّة” وتسمية الجهاز التفسيريّ المعتمد فيها.
متن الدراسة
ونعتمد في تحليلنا على كتاب “مفتاح العلوم” للسكّاكي أساسا، وقد ضبط نصّه نعيم زرزور،7لا يوجد تحقيق نقدي علمي لكتاب “مفتاح العلوم” ونحن نعتمد طبعة نعيم زرزور لأنّها أكثر طبعات الكتاب انتشارا وتداولا بين الباحثين وإن لم تتجاوز في تقديرنا محاولة ضبط النصّ دون تحقيق حقيقيّ صارم. ونجد في المكتبة العربية طبعة أخرى بتحقيق عبد الحميد هنداوي ( مفتاح العلوم. بيروت: دار الكتب العلميّة، 2000) وهي تبدو أفضل من حيث ضبط النصّ والتخريج وتجويد الفهارس لكنها ليست كذلك تحقيقًا أكاديميًا قائمًا على مقابلة موسّعة بين المخطوطات. لنقرأه قراءة لسانيّة تداوليّة تبرز تصوّره لبناء الدلالة والاستعمال.
التحليل المصطلحي والدلالة التاريخية
الاستدلال وبنية اللزوم
يلتبس استعمال مفهوم الاستدلال لدى السكّاكي والبلاغيّين بالخصوص بمفهوم رديف له هو اللزوم. وهو يدلّ على عمليّة بناء علاقة تقتضي من جهة ملزوما (على صيغة اسم المفعول) يمتنع الانفكاك عنه ومن جهة أخرى لازما (على صيغة اسم الفاعل) يمتنع انفكاكه عن الشيء الملزوم (والمقصود بالانفكاك في المصطلح المنطقي استحالة أن يكون ملزوم دون لازمه). فتكون لنا بذلك بنية ثنائيّة تتركب من لازم وملزوم تربط بينهما علاقة لزوم.
ولئن كان معنى الطلب مهيمنا على مصطلح استدلال فإنّ مفهوم الاقتضاء مسيطر على مصطلح لزوم فـ”كلّ اقتضاء طلب وليس كل طلب اقتضاء”8.عبد الرحمن، اللسان والميزان، 89. وانظر كذلك: بنّاصر البعزاتي، الاستدلال والبناء. وتتشكّل البنية اللزوميّة المجرّدة في صور عديدة منها أوّلا حركة من ملزوم إلى لازم، ومنها ثانيا حركة من الجانبين فتكون العلاقة تلازما أو ملازمة، ومنها ثالثا حركة من لازم إلى ملزوم تقوم على الاقتضاء. ويبرز الترابط بين مفهومي الاستدلال واللزوم في تعريف السكّاكي للاستدلال بأنّه “إلزام شيء يستلزم شيئا فيتوصّل بذاك إلى الإثبات أو يعاند شيئا فيتوصّل بذلك إلى النفي”9.السكاكي، مفتاح العلوم، تحقيق زرزور، 505 ونستخلص من هذا التعريف أنّ السكاكي يُرجِع صور الاستدلال إلى نوعين: أولهما الإلزام بالمستلزَم للوصول إلى الإثبات. وثانيهما المعاندة (وتعني إظهار الضدّ أو النقيض) للوصول إلى النفي. فيكون الإلزام أن تُلزم المخاطب بشيءٍ يستلزم مطلوبك فتُثبِت به وتكون المعاندة أن تُلزمه بشيءٍ يُنافي مطلوبه أو ينقضُ قوله فتنفي به. ولهذا السبب سمّي نوع الدلالة هذا بدلالة الالتزام.10صولة، “دلالة الالتزام.” وهي تقوم على “تعلّق” (علاقة) بين مفهوم أصليّ ومفهوم خارج عنه من قبيل تعلّق مفهوم الحائط بمفهوم السقف فينتقل الذهن “من المفهوم الأصليّ إلى الآخر بوساطة ذلك التعلّق بينهما”11السكاكي، مفتاح العلوم، تحقيق زرزور، 330. فبين المعنيين إذن ملازمة تسوّغ الانتقال بين الملزومات واللوازم.
في ترابط علوم الأدب وموقع الاستدلال منها
استخدم السكّاكي في مقدّمة كتابه عبارة “تمام” في تقريرات من قبيل: “وأوردت علم النحو بتمامه وتمامه بعلمي المعاني والبيان” أو قوله “ولمّا كان تمام علم المعاني بعلم الحدّ والاستدلال لم أر بدّا من التسمّح بهما”12.السكاكي، مفتاح العلوم، تحقيق زرزور، 6 ومن الواضح أنّ المقصود بالتمام كمال الشيء بضمّ ما يستوفي الغرض منه. ونهدف بهذه الفقرة إلى أن نبيّن العلاقات بين علوم الأدب تمهيدا لبيان مفهوم الاستدلال البلاغي في مشروع السكاكي العلميّ ودوره في بناء المعنى البلاغيّ. 13لا نعرف من الأعمال التي عالجت هندسة علم الأدب في كتاب السكّاكي إلاّ كتاب مجدي بن صوف وهو في أصله أطروحة دكتوراه نوقشت في الجامعة التونسيّة سنة 2007، ثمّ صدرت في الكتاب التالي: علم الأدب عند السكاكي: بحث في انتظام التصوّرات اللسانيّة في مفتاح العلوم.
النحو وعلم المعاني
نوضّح بدءا كيف يكون تمام علم النحو بعلم المعاني. فقد حدّ السكاكي النحو بأنّه “معرفة كيفيّة التركيب فيما بين الكلم لتأدية أصل المعنى مطلقا (…) ليحترز (…) عن الخطأ في التركيب من حيث تلك الكيفيّة”14.السكاكي، مفتاح العلوم، تحقيق زرزور، 75 وتقوم داخل هذا التعريف علاقة بين كيفيّة التركيب وأصل المعنى الذي يقصد به “دلالة وضعيّة” تنشأ من نظم الألفاظ نظما “يخرجها من حكم النعيق”15.السكاكي، مفتاح العلوم، تحقيق زرزور، 163 وهذا يعني أنّ الدلالة الوضعيّة نتاج العلاقات العامليّة المكوّنة للبنية النحويّة حسب نظريّة العمل والإعراب منذ سيبويه [180 هـ / 796 م]. أمّا علم المعاني في تعريف السكّاكي فهو “تتبّع خواصّ تراكيب الكلام في الإفادة، وما يتصل بها من الاستحسان وغيره، ليحترز بالوقوف عليها عن الخطأ في تطبيق الكلام على ما يقتضي الحال ذكره” (أي ما يسمّى “مقتضى الحال”)16.السكاكي، مفتاح العلوم، تحقيق زرزور، 161
وبهذا يكون لنا تقابل بين:
أ. كيفية التركيب ∦خواصّ التركيب
ب. أصل المعنى ∦ مقتضى الحال
فلئن كان التركيب هو التأليف بين الألفاظ فإنّ خواصّ التركيب هي “ما يسبق منه إلى الفهم عند سماع ذلك التركيب” كما وضّح السكّاكي. ومقابل أصل المعنى يمثّل مقتضى الحال الاعتبارات المقاميّة والتخاطبيّة التي تجعل التركيب على صورة نحويّة من الصور الممكنة دون غيرها. وبين مقتضى الحال في الكلام والمقام فرق دقيق. فلئن كان كلاهما يتحدّد بعلاقات التخاطب فإنّ المقام أعلق حسب السكاكي بالغرض من الكلام (كالشكر أو التعزية أو الترغيب أو الترهيب) في حين أنّ مقتضى الحال يتحدّد بالخصائص التركيبيّة التي تحقّق الغرض من الكلام.
علم المعاني وعلم البيان
حدّد السكّاكي العلاقة بين علم المعاني وعلم البيان بأمرين: أوّلهما أنّ كليهما متمّم لعلم النحو بالمعنى الذي رأيناه في الفقرة السابقة في علاقة الدلالة الوضعيّة بالدلالة غير الوضعية الاستدلاليّة. وثانيهما أنّ “علم البيان شعبة من علم المعاني لا تنفصل عنه إلا بزيادة اعتبار”17.السكاكي، مفتاح العلوم، تحقيق زرزور، 162 وهذا الاعتبار الزائد هو الذي يجعل البيان فرعا مركّبا من فرع أبسط هو علم المعاني (“جرى منه مجرى المركّب من المفرد”). إذ عرّف السكّاكي علم البيان في الصفحة نفسها بأنّه: “معرفة إيراد المعنى الواحد في طرق مختلفة بالزيادة في وضوح الدلالة عليه وبالنقصان ليحترز بالوقوف على ذلك عن الخطأ في مطابقة الكلام لتمام المراد منه”. ونقدّم هنا دون تحليل وبأسلوب مدرسيّ مقصود السكّاكي بـ”المعنى الواحد” و”الطرق المختلفة” لننتقل إلى أسئلتنا المتعلّقة بالدلالة الاستدلاليّة.
نشير هنا إلى أنّ المعنى الواحد ليس مرادفا لأصل المعنى بدلالته النحويّة التي ذكرناها فقد عالج هذا الجانب علم المعاني. لكن المقصود معنى يريد القائل التعبير عنه ويقبل الصياغة بطرق مختلفة. ومثال ذلك أن معنى وصف رجل بالكرم يمكن أن يصاغ بطرق متعدّدة من قبيل:
- زيد كريم
- زيد كالبحر
- استضافنا البحر (تقصد زيدا)
- زيد كثير الرماد
أمّا الطرق المختلفة فأساسها التفاوت في الوضوح الذي قصد به السكّاكي وضوح العلاقة بين اللفظ والمعنى في الذهن. فكلّما كانت العلاقة بين اللفظ والمعنى مباشرةً، زاد الوضوح وكلّما كانت العلاقة تحتاج إلى تأمّل أو انتقال ذهنيّ بين المعاني، قلّ الوضوح. ومعنى ذلك أنّ الكلام يقوى والمعنى يترسّخ في ذهن المخاطب كلّما كثرت الاستدلالات التي يتطلّبها فهم الكلام.
علاقة علم الاستدلال بعلم المعاني
يمثّل الاستدلال عند السكّاكي مقاما من مقامات الكلام18.السكاكي، مفتاح العلوم، تحقيق زرزور، 432 لذلك ينبغي أن تدرس خواصّ تركيبه في مقامه. فللاستدلال كيفيّات كذلك في “نظم الدليل”19السكاكي، مفتاح العلوم، تحقيق زرزور، 435. ومقام يقتضي أن يطابقه الكلام مطابقة تجعل خواصّ التراكيب سبيلا للاستدلال على الدلالات المناسبة لمقتضى الحال في الاستدلال. ولمّا كان الموضوع الرئيسيّ لعلم المعاني هو “خواصّ التراكيب” ومدى مطابقتها لمقتضى الحال والمقام صار تحليل خواصّ التركيب في الاستدلال متمّما لعلم المعاني. ويقوم علم المنطق في كيفيّة تركيب الحدود والقضايا وصور التأليف بينها وبناء الأقيسة وشروط صحّتها تناقضا وتضادّا وتلازما… إلخ بدور شبيه بدور النحو في الكلام الطبيعيّ في غير القياس المنطقيّ.
وتمثّل معرفة خواصّ التركيب الاستدلاليّ نوعا خاصّا هو جزء من معرفة خواصّ تراكيب الكلام عامّة. لذلك قال السكّاكي منذ المقدّمة20.السكاكي، مفتاح العلوم، تحقيق زرزور، 6: “ولمّا كان تمامُ علمِ المعاني بعِلْمَيِ الحدِّ والاستدلالِ لم أرَ بُدًّا من التسمُّح بهما”. فهو بعبارته تكملة لعلم المعاني (“الفصل الأول من تكملة علم المعاني: في الحدّ وما يتّصل به” و” الفصل الثاني من تكملة علم المعاني في الاستدلال”). وقد بيّن في باب علم الاستدلال أنّ الاستدلال هو معرفة وجه الترتيب المنطقي بين المعاني، وكيف يُنتج بعضها بعضًا، فهو معرفة اللزوم بين المعاني، لتستدل بمعنى على معنى. وبهذا يكون الاستدلال من تمام علم المعاني من جهة الربط المنطقي بين المعاني التي تُستعمل في البيان. وهو ما سنبسط فيه القول في الفقرة الموالية.
في الملازمات بين المعاني
أشرنا إلى أنّ مفهوم الاستدلال البلاغي ينبني على علاقة بنيويّة بين الاستدلال واللّزوم. فالاستدلال حسب السكاكي يتحقّق ضمن شبكة من العلاقات الدلاليّة التي يربط فيها الذهن بين معنى وآخر بوساطة اقتضاءٍ أو لزومٍ يكون فيه الانتقال من الأوّل إلى الثاني. فليس اللزوم هنا مجرّد علاقة عقليّة ضروريّة كما هو الشأن في المنطق، بل هو علاقة اقتضاء مقاميّ تنشأ في الخطاب تبعًا لمقتضى الحال وملابساته. فيكون الاستدلال في البلاغة فعلًا ذهنيًّا يُدرك به المتكلّم أو المؤوّل هذه العلاقات، فيُثبِت المطلوب بإثبات لازمه أو ينفيه بإظهار ما يُعانده. وبهذا يكون اللزوم البنيةَ الضامنةَ لانتظام المعاني في نسقٍ يتفاعل فيه الكلام والمقام، أمّا الاستدلال فهو الحركة الذهنيّة التي تُبرز هذا الانتظام وتحقّقه في مقام الخطاب.
وإذا صحّ هذا الفهم كان الاستدلال البلاغيّ ممارسةً معرفيّة تُنتج المعنى بوساطة إدراك العلاقات اللزوميّة بين التراكيب والمعاني، أي بتوسّط الانتقال من معنى إلى آخر على وجهٍ يُحقّق مطابقة الكلام لمقتضى الحال. وهذا حين نتثبّت تعبير آخر عن تعريف البلاغة كما استقرّت بعد السكّاكي وصاغها القزويني في الإيضاح على تلخيصه للقسم البلاغي من كتاب المفتاح21 .القزويني، “الإيضاح في تلخيص المفتاح،” 11 في قوله: “بلاغة الكلام (…) مطابقتُه لمقتضى الحال” شريطة أن نفهم الكلام على أنّه التركيب التامّ الذي يحقّق به المتكلّم عملا لغويّا، ونفهم مقتضى الحال على أنّه الاعتبارات التي تجعل المتكلّم يصوغ كلامه في صورة تراكيب نحويّة دون أخرى، ونفهم من المطابقة العلاقة الرابطة بينهما وهي علاقة اشتمال وليست حصرا علاقة المطابقة المنطقيّة كما فسّر ذلك الدسوقي22.السكاكي، مفتاح العلوم، تحقيق زرزور، 432. الدسوقي، “حاشية على شرح السعد،” 123–124
ويقتضي هذا الفهم للبلاغة عموما أنّها تخضع الكلام للمقام فيجيء الكلام البليغ مقتضيا لخصائص المقام. من قبيل اقتضاء مقام التردّد أو الإنكار للتوكيد. وإذا خصّصنا هذه العلاقة في علم المعاني وجدنا أنّه يدرس العلاقة بين تركيب الكلام (اللفظ) والمقام ويختصّ علم البيان بدراسة العلاقة بين معنى الكلام والمقام. فمبدأ الدراسة واحد ووجوهه متعدّدة. ولكنّ الأهمّ أنّ منطلق التحليل البلاغي أيضا واحد وهو الاستدلال وما يتطلّبه من علاقات لزوميّة هي التي تشرّع لنا الحديث عن استدلال بلاغي يشتغل ضمن جهاز تفسيريّ واحد قائم على البنية اللزوميّة. وأوضح ما ورد في هذا قول السكاكي في توطئة باب الاستدلال23السكاكي، مفتاح العلوم، تحقيق زرزور، 435.: “من أتقن أصلًا واحدًا من علم البيان، كأصل التشبيه أو الكناية أو الاستعارة، ووقف على كيفية مساقه لتحصيل المطلوب به، أطلعه ذلك على كيفية نظم الدليل”
ومن أمثلة اللزوم التي عرضها السكّاكي ونستعيدها هنا بشيء من التصرّف24.السكاكي، مفتاح العلوم، تحقيق زرزور، 505 نذكر:
- خدها وردة ← خدها أحمر صاف
- في المعركة أسد ← في المعركة مقدام
- في المعركة أرنب ← في المعركة جبان
- ملزوم ← لازم
ففي المثال 5 (التشبيه) إلزام للخدّ بالوردة التي تستلزم الحمرة الصافية فيكون الاستدلال بمقتضى هذا الإلزام على صفاء حمرة الخدّ. وقياسا على هذا تكون استعارة الأسد للمقاتل الشجاع المقدام في المثال ( 6) على وجه إثبات الصفة وسلبها بنفي الإقدام عن الرجل (“عناد شيء يستلزم شيئا”) كما يبرز في المثال ( 7 ) بما أنّ استعارة الأرنب تقوم على إلزام معنى الجبن والخوف وسرعة الفرار. وهذا يعني أنّ الزيادة والنقصان يرتبطان بدرجة الدلالة العقلية بين اللفظ والمعنى. فالزيادة في الوضوح تكون حين يكون اللفظ يدلّ على المعنى بلا واسطة عقلية أي حين تكون الدلالة وضعيّة حقيقية صريحة.
وإذا عدنا إلى الأمثلة (1-3) أعلاه نجد في المثال الأوّل (“زيد كريم”) العلاقة بين اللفظ (كريم) والمعنى (الكرم) واضحة مباشرة. وبالمقابل يكون النقصان في الوضوح حين يحتاج الذهن إلى وساطة خيالية أو عقلية ليدرك العلاقة بين اللفظ والمعنى أي حين تكون الدلالة غير مباشرة أو مجازية. من قبيل المثال الثالث (“استضافنا البحر” رغم أنّ البحر لا يأتي أفعالا خاصّة بالبشر) فينتقل الذهن هنا من المعنى الحقيقي إلى معنى الكرم بسبب علاقة ضمنيّة. وعلى هذا تكون الزيادة مرتبطة بقرب الدلالة من ظاهر اللفظ ويكون النقصان باقترابها من المعنى المجازي أو الكنائي. لكنّ المتكلم يختار مقدار الوضوح (أو الخفاء المنتج للاستدلالات العقليّة) بما يناسب المقام:
- فإذا كان المقام يحتاج إلى تقرير وإفهام ← زاد في الوضوح (استعمل الحقيقة أو التشبيه الصريح).
- وإذا كان المقام يحتاج إلى تصوير وعمق معنويّ ← أنقص من الوضوح بتكثير العلاقات الاستدلاليّة (استعمل الاستعارة أو الكناية).
وهذا تحديدا هو الاعتبار الزائد المميّز لعلم البيان إذ يتّصل بالعلاقات الضمنيّة بين اللفظ المستخدم في القول والمعنى المقصود والمراد. وهي علاقات تستخرج بالاستدلالات العقليّة التي تبرز لنا في (2) أنّ وجه الشبه بين زيد والبحر وهو السخاء والكرم يستنتج بالاستدلال داخل الثقافة العربيّة على الأقلّ بحسب رمزيّة البحر فيها. ويبرز لنا في (3) بناء الاستعارة على التشبيه الضمني نفسه مع استدلالات مقاميّة وتخاطبيّة أخرى من قبيل استحالة إتيان البحر لفعل الاستضافة وشهادة الحال والمقام والغرض من الكلام. وتمثّل الكناية25تنبني العلاقة اللزوميّة في الكناية (السكاكي، مفتاح العلوم، تحقيق زرزور، 403) على الانتقال من لازم إلى ملزوم. ونجد عنده أنّ في المجاز عموما انتقالا من ملزوم إلى لازم ويكون في المجاز المرسل من لازم إلى ملزوم ( مفتاح العلوم، تحقيق زرزور، 330–331). في (4) نموذجا آخر من الاستدلالات التي تنتقل بالذهن من كثرة الرماد إلى كثرة إحراق الحطب فكثرة الطبائخ فكثرة الأضياف للوصول إلى معنى الكرم. فالكناية تقوم ثقافيّا على سلسلة من الضمنيّات.
وتنطبق هذه البنية اللزوميّة والآليّة الاستدلاليّة على التحليل المعنويّ (نسبة إلى علم المعاني) كذلك. فقد نقل البلاغيّون ومنهم السكّاكي26السكاكي، مفتاح العلوم، تحقيق زرزور، 171. وراجع من البلاغيّين قبل السكّاكي عبد القاهر الجرجاني: الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق شاكر، 315. وقد نسب محقّق الكتاب محمود محمّد شاكر الرأي النحويّ سهوا إلى أبي العباس ثعلب [291 هـ / 904 م] وكلاهم معاصر للكندي. أصداء مناظرة الكندي الفيلسوف [تـ 252 هـ / 866 م]) والمبرّد النحويّ [تـ 285 هـ / 898 م] في الخبر التالي:
وحُكي أنّ أبا العباس المبرد دخل على يعقوب بن إسحاق الكنديّ، فقال له الكنديّ: إني لأجد في كلام العرب حشوًا. فقال له المبرد: وأين ذلك؟ قال: أجدهم يقولون: “عبد الله قائم”، ثم يقولون: “إنّ عبد الله قائم”، ثم يقولون: “إنّ عبد الله لقائم”، فالألفاظ متكررة والمعنى واحد! فقال له المبرد: بل المعاني مختلفة، فقولك: “عبد الله قائم” إخبار عن قيامه، وقولك: “إنّ عبد الله قائم” جواب لمن أنكر قيامه، وقولك: “إنّ عبد الله لَقائمٌ” جواب لمن أنكر قيامه إنكارًا مؤكّدًا27.السكاكي، مفتاح العلوم، تحقيق زرزور، 171
ويمكن إيجاز مضمون هذه المحاورة في مناقشة الأمثلة التالية:
- عبد الله قائم ← خبر يقتضي خلو ذهن المخاطب
- إنّ عبد الله قائم ← توكيد خبر يقتضي إنكار المخاطب له
- إنّ عبد الله لقائم ← توكيد مضاعف لخبر يقتضي إنكارا قويّا له من المخاطب
إنّ ما رآه الكندي الفيلسوف من الحشو (أي التكرار دون معنى زائد) لا يعدو أن يكون القضيّة بالمعنى المنطقيّ التي عبّرت عنها الأقوال الثلاثة. أمّا ما فسّره المبرّد من هذه الأقوال فهو إبراز قيم الزيادات اللفظيّة في التراكيب ووظائفها البلاغيّة في الاستعمال. وهي لا تخرج عن العلاقة بين خواصّ التركيب (أي الخبر عاريا من المؤكّدات والخبر المؤكّد توكيدا واحدا بـ”إنّ” أو بأداتي توكيد “إنّ…. لـ…”) والاعتبارات المناسبة في ثلاثة مقامات استوجب فيها مقتضى الحال في كلّ مقام مخاطبة إمّا خالي الذهن من الخبر وإمّا المتردّد فيه وإمّا المنكر له إنكارا قويّا.
وفي هذا الأسلوب في معالجة الأقوال نجد ربطا بين مقولات النحو (التركيب السليم وما ينتج عنه من معنى أصليّ) والقيم التخاطبيّة التداوليّة للقول التي تفترض صياغات نحويّة متنوّعة تتوافق مع الاعتبارات المقاميّة وأحوال المخاطبين (التجريد والتوكيد وفي سياقات أخرى التقديم والتأخير والذكر والحذف… إلخ). فالمعالجة البلاغيّة تفترض أنّ التركيب المستخدم في مقام مّا يحمل قرائن وأمارات وعلامات نحويّة تدلّ على اعتقاد المتكلّم وتصوّره للمخاطب ومقصده وغرضه من عمليّة التخاطب في هذا المقام أو ذاك. وهو افتراض ينهض على افتراض ثان سابق يتمثّل في أنّ إنتاج القول في المقام يقتضي من المتكلّم أن يصوغ كلامه الصياغة المناسبة التي تعتمد على النحو للتعبير عن الخصوصيّات المقاميّة والاعتبارات التخاطبيّة. ويشترك إنتاج القول البليغ وتأويله التسليم بأنّ بين خواصّ التركيب ومقتضيات الأحوال تلازما أو “ملازمات” بعبارة السكّاكي.
ولنا أن نعبّر عن التلازم بصيغة شرطيّة عند إنتاج القول بمثل هذا الشرط:” إذا أردت الردّ على إنكار منكر للخبر فأكّده بمؤكّدين أو أكثر” وصيغته في التأويل: “إذا وجدت قولا مؤكّدا بمؤكّدين أو أكثر فاعلم أنّ المخاطب (في تصوّر المتكلّم) منكر للخبر”. ويصاغ تشارطيّا في القاعدة التالية:
- “الخبر مؤكّد بمؤكّدين فأكثر ↔ المخاطب (في تصوّر المتكلّم) منكر للخبر”
وإذا صحّ هذا الفهم للعلاقة بين خواصّ التركيب ومقتضى الحال تكون الدلالة غير الوضعيّة دلالةً استدلاليّةً لأنّنا نستدلّ بالقرائن والعلامات والآثار الموجودة في القول على الأغراض والمقاصد التي يريدها المتكلّم. ويكون موضوع علم المعاني البحث في صور الاستدلال المتولّدة عن القول في مقامه ليستخلص استنادا إلى النحو نفسه المعاني الزائدة عن أصل الوضع الذي كان النحو قد حدّده بمجرّد التّأليف بين الألفاظ. فالعلاقة أيضا بين بنية الكلام ومقتضى الحال علاقة لزوم (بين لازم وملزوم). ولئن اعتبر السكّاكي العلاقة بين علم البيان وعلم المعاني علاقة تتميم وشبّهها بعلاقة المفرد (علم المعاني) بالمركّب (علم البيان) فإنّ المعالجتين المعنويّة والبيانيّة للقول الواحد متكاملتان لا تتناقضان. لننظر بإيجاز في المثالين التاليين:
- والله لقد استضافنا البحر
- إنّ زيدا لكثير الرماد
ففي كلّ قول منهما من جهة علم المعاني مطابقة لمقتضى الحال بالربط بين خواصّ التركيب والاعتبارات المناسبة فالمثال (15) يخاطب من أنكر إنكارا قويّا أن يكون البحر قد أتى فعل الاستضافة أو كرم زيد والمثال (16) يدلّ على الشيء نفسه. لكنّ في القولين اعتبارا زائدا من منظور علم البيان لمطابقة تمام المراد كما أوضحنا. وإذا صحّ وصفنا لآليّات اشتغال منظومات (modules) النحو والمعاني والبيان فإنّه من البيّن أنّ العلاقة الأساسيّة بين علم المعاني وعلم البيان ترتكز على اهتمامهما بالدلالات الاستدلاليّة غير الوضعيّة سواء أكانت في العلاقات بين خصائص التركيب وخصائص التخاطب في المقام (علم المعاني) أم كانت بين منطوق الأقوال وضمنيّاته (علم البيان).
خاتمة
لقد قام مشروع السكّاكي العلميّ في “مفتاح العلوم” على بيان الترابط في العلوم اللسانيّة والدلاليّة استنادا إلى البنية اللزوميّة المتّصلة بموضوع كلّ علم والغاية منه وبين العلوم المختلفة نفسها. وهذه البنية اللزوميّة تختزل صور الاستدلال وأنواعه في بنية واحدة تنطبق على الخطاب الطبيعي بقدر ما تنطبق على الخطاب الاستدلاليّ المنطقي مع فروق تتّصل بالتصريح والتضمين وطرق استعمال الكلام الحقيقيّ والمجازيّ والكنائيّ بحسب مقتضيات الأحوال. وهو ما جعل الجهاز التفسيريّ الذي بناه السكّاكي جهازا استدلاليّا يقوم على لعبة العلاقات بين اللوازم والملزومات المترابطة عقليّا أو عرفيّا أو تداوليّا. وهذا موضوع البلاغة.
والمفارقة أنّ السكّاكي لم يسمّ جماع علمي المعاني والبيان (والبديع) بلاغة كما استقرّ عليه الحال بعده منذ تلخيص المفتاح وشرحه عند القزويني. فالبلاغة عنده ملكة ناتجة عن إتقان علمي المعاني والبيان أو هي نتاج المطابقة بين الكلام والمقام.28يقول في باب البيان، عند حديثه عن طرق التعبير عن المعنى الواحد بطرق مختلفة (السكاكي، مفتاح العلوم، تحقيق زرزور، 161–162): “…ليُحترز بالوقوف عليها عن الخطأ في مطابقة الكلام لتمام المراد منه، وذلك هو البلاغة”. لكنّ إدراجه لمفهوم الاستدلال واعتباره متمّما لعلم المعاني جعله يقترح نظرة مميّزة إلى علاقة المنطق باللغة. فخطاب القياس المنطقيّ جزء من أصناف الخطاب التي درسها البلاغة. لذلك استخدم مصطلحات النحاة في عرض تركيب الأقيسة المنطقيّة ونظمها متحدّثا مثلا عن المبتدأ والخبر والجملة بدل حديث المناطقة عن الموضوع والمحمول والقضيّة.
وهو بذلك واصل نقاشا قديما في الثقافة العربيّة بين أهل اللسان وأهل الميزان نجد فحواه في مناظرة المبرّد والكندي وبعدها في مناظرة السيرافي النحويّ [368 هـ / 978 م] ومتّى بن يونس29.أبو حيّان التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة، تحقيق أمين وزين، 1: 118–133 [328 ه / 940 م]. وتواصل النقاش بعد قرن من وفاة السكّاكي على نحو صريح مثلا مع ابن تيميّة30.ابن تيمية، الردّ على المنطقيّين، تحقيق دنيا [728 هـ/ 1328 م] وبطريقة مدمجة في البلاغة مع شرّاح التلخيص وأصحاب الحواشي إلى بداية القرن التاسع عشر31أنظر شروح التلخيص..


Leave a Reply
You must be logged in to post a comment.